الجمعة، 9 فبراير 2024

الأمراض النفسية لها حل




يعاني البشر الكثير من الأمراض، وهي على أنواع، قد يتعافى الفرد من بعضها، حين يطرق باب الطبيب، إلا أنّ البعض الآخر منها يتربع على القلوب ولا يتزحزح، فتستمر المعاناة، وتستدام المعضِّلة، نخص بالذكر -في هذه العجالة- الأمراض والعقد النفسيّة، نعتقد أنّ هذا الصنف من الأمراض هو الأكثر فتكًا، إذا ما قورن بالأمراض العضوية الملموسة والمدركة، ومع الأسف الشديد، أغلب مجتمعاتنا الشرقية تعاني من هذا اللون، ومع ذلك لا تطلب له علاجًا، وكأنّ الأمر ليس مرضًا يُستَطب، بل قد يتحرج المُعْتَلّ من مجرد عَرْض المشكلة!!، فهل فكر المَعْلُول النفسي من اللجوء لطبيب مختص يعالج ويلاته؟، أم أنّ الإحجام عن طرق هذه العيادات أصبح ديدنًا وشامة مستدامة، رغم أنّ العيادات النفسيّة مُشَرَّعة للجميع، وبعضها مفتوحة على مدار الساعة، وبالإمكان طلب الاستشارات (عن بعد) ونحن متكئين على الأرائك والوسائد، وفي غرف المخدع، السؤال المُلِحّ: لماذا لا نطرق باب المعالجة النفسية؟، رغم حاجتنا الماسة لها، هذه العيادات ليست للشؤون العقلية فقط، فهل فكرنا يومًا في المكاشفة للطبيب المختص؛ قبل أن تتفاقم المشاكل وتتعاظم، في الآونة الأخيرة قضيتُ وقتًا ثمينًا ورائعًا في ضيافة كتاب: (عقدك النفسية سجنك الأبدي)، وهو كتاب جميل بديع للكاتب: يوسف الحسني، وبعد الفراغ منه دوّنتُ مراجعتي، وهذا نصها: "نهتم بغذاء الجسد، وكذلك قد نهتم بغذاء العقل، ولكن ماذا عن النفس؟، يصاب الكثير منا بمطبات واحباطات نفسية وعقد متعددة، دون أن نسعى لطلب العلاج، زيارة الطبيب النفسي ليست للمجانين فقط، فكيف السبيل للتعافي النفسي؟"، كثير منا لا يعي أهمية زيارة هذا الاخصائي، وكثير منا في حاجة ماسة لتلك الزيارة، لكن لسان الحال يقول: "لَا مِسَاسَ"، فتراه يولي هاربًا ولا يعقب، مع أنّ العقد تنخر حتى النخاع، عقد نفسية في العلاقات، في العمل، في المال، في السلطة، في الحبّ، وتطول قائمة تلك العقد، أظن أنّ مجتمعاتنا العربية تحتاج للكثير من التوعية النفسية، ليس عيبًا أن نزور المختصين لطلب العلاج أو المشورة، بالفعل نحتاج لزيادة منسوب الوعي؛ لتخليص هذا العالم مما يعانونه من عقد وأزمات نفسية متعددة، الاستقرار النفسي نعمة كبيرة لا يدركها إلا من فقد تاجها، وما أكثر الصامتين، وهم يغرقون في رحم المعاناة، هناك الكثير من الناس يعانون، ولا يزالون في جحيم: (الوسواس القهري، الرهاب، الاكتئاب، الإدمان، شره الطعام، فقد الشهية، وغيرها كثير)، هل ندرك جيدًا أنّ هناك جنايات وقعت في حقنا أيام الطفولة؟، مضلعات خطرة تعرضنا لها في الصغر، سببت لنا المعاناة، واستمرت معنا لأعمار متقدمة، وربما كان العلاج لحظة قرار في قطع موعد لزيارة طبيب، كتاب "عقدك النفسية سجنك الأبدي"، فتح لنا الطريق لمعرفة كثير من تلك الأزمات التي ترتبط بالعلاقات، نحتاج فعلًا لوعي، وقد تكون القداحة قراءة كتاب، أو تأمل سطور قصيرة، ستفتح لنا شهيّة طلب الاستشفاء للتعافي، وليس عيبًا طلب المُعَافاة.

الخميس، 25 يناير 2024

الخوارق المعنوية

 



الخوارق المعنوية 
الطريق الأسرع لقضاء الحاجات

قوى معنوية يمتلكها البعض يتغلبون بها على ضعفهم، فكيف نمتلك تلك القوى؟!، تتحدث (ريم البريك)، في كتابها : (رجل الدين والفيلسوف والساحر... وأسرار القوة)، عن جملة من تلك القوى : (قوة العطاء، والنوافل، والدعاء، والصبر، و..)، نلاحظ أن جميع هذه القوى معنوية، فهل هناك تجارب حقيقية -غير متخيلة- تثبت لنا صحة هذا الإدعاء؟!  

المعامل المختبرية تقيس لنا الماديات، فهل من طرق لاثبات المعنويات؟!، هل من رابط بين القيم المعنوية كـ (الدعاء والصدقة) وبين دفع البلاء وجلب العطاء؟!، المشككون يعتبرون هذا مجرد إدعاء، والمؤيدون يمدون القائمة، فهناك : (العلاج بالصدقة، والقرآن، والدعاء، والخواتم، والأحجار الكريمة، وغيرها)، بينما الطب الحديث يتعاطى مع الأمراض تعاطي مادي صرف، ولكن البعض يتحدث عن حالات مستعصية عجز ت عنها أحدث العيادات العالمية، ولم يتم الشفاء إلا في تلك المعنويات الخارقة .

المسألة لا ترتبط بمرض عضال فقط، بل هي ثقافة حياة، فالأمنيات لا تنتهي، وكلًا يرغب في تلك العصا السحرية، الغريب أن اليهود والمسيح وبقية الأديان ينقلون قصص متشابهة ويكون الحل الإعجازي فيما يعتقدون به، فكيف تتحقق تلك المطالب في معتقدات باطلة؟! 

كيف لنا أن نتحقق من فاعلية هذه المعنويات؟! ، ثم ماذا لو (صدفة) تحققت الأمنيات بطرق معوجة؟!، كيف نثبت بطلانها؟!، كيف نفرق بين الوهم والحقيقة؟!، لن يستطيع أحد أن ينتزع العقائد من صدور أصحابها، ولهذا نرى كل قيس يغني على ليلاه !!


الثلاثاء، 23 يناير 2024

تحطيم المستحيل

 



هناك مستحيل في أذهان البشر، ولكن هل يبقى المستحيل مستحيلًا إلى ما لا نهاية؟، أليس المستحيل في الزمن السالف؛ أضحى ممكنًا في الزمن الراهن؟!، في كتاب فيزياء المستحيل البدايات العبثية مهمة لأن هناك أمل يشدنا لتحقيقها، ألم تتحقق المستحيلات وتحولت لممكنات؟!، هنا يأتي دور الخيال العلمي، وكم من خيال يتحول لحقيقة أو ما يقربه؟!، يقول ميشيو كاكو - مؤلف فيزياء المستحيل -: (لا وجود لخيال علمي من دون العلم).


لم يكن كاكو صاحب ترف علمي، بل صنع مشروعه العلمي على أرض ملعب المدرسة الثانوية، لينتقل به إلى المعرض الوطني للعلوم ومنه إلى كسب منحة في هارفارد. ثم تدرج في المراتب حتى تخصص في مجال الفيزياء، وحقق  جائزة نوبل في نظريته الأوتار الفائقة،  يقول كاكو: إن المستحيل أمر نسبي. وبعبارة أخرى نقول: أنه ما يعد اليوم حماقة يكون في الغد حكمة وذكاء.


ما أحوج الأجيال إلى تبني فكرة لا مستحيل على العلم، لا مستحيل إذا تمردنا على القوانين الطبيعية، أليس من الممكن لطائرة ثقيلة الوزن تطير في الفضاء إذا تجافت عن القوة الجاذبية؟! 


إذًا كل مستحيل ممكن تحقيقة، للنسبية التي يحملها معه، وعليه ينبغي أن نتكئ على سلطان العلم والمعرفة لبلوغ المستحيلات، وماهو مستحيل اليوم لن يكن في القادم من الأيام.


الاثنين، 22 يناير 2024

بين القلوب والأفعال

 



بين القلوب والأفعال

في الأعم الأغلب نرى أنّ قلوب الناس طيبة ونواياها حسنة، وهذا ما يرتبط بحكمنا الظاهري على قلوب الناس؛ولكن ماذا عن أفعالهم وتصرفاتهم؟! 

الحكم على القلوب وحده لا يكفي، فماذا سنفعل بنبضات المشاعر ومجسات العواطف فقط؟!، أليس هناك من يبكي وهو يقتل الحسين؟!، "القلوب معَ والسيوفُ ضد"، كما يشير الفرزدق، لهذا نرى الذكر الحكيم يربط بين الإيمان ومزاولة الصالح من الأعمال. فرُبَّ رجل قليل الإيمان ظاهرًا؛ كثير  الخير  حقيقة؛ لو أقسم على الله لأبره، فهل طبائع الناس في عمومها حسنة؟!، نعم من حيث القلوب وكذلك الأفعال، ولكن عند المحك تتجلى النوازع الحالكة والبيضاء، ذات مرة شاهدت حادثًا مرورًا يسيرًا بين سيارتين تحول فيه أحد الأطراف لوحش كاسر، ونال من الرجل الوافد باللكمات والتوبيخ، هكذا يتحول الإنسان لحيوان فاتك في لحظة غضب، فأين الحكم عليه بالطيبة قبل ساعة؟! 

نَفْسُ الإنسان تحتاج لمزيد من الترويض، فالحالة السبعية متشبعة في النفوس، وعند سَوْرَة الغضب تحدث الفاجعة، وكم من ساعة ندم لا تنفع؟!، سببها لحظة طيش!!، الحلم فضيلة يغبط الإنسان عليها، ومن ينميها في حياته يدرك مقدار تلك النعمة التي هو عليها، أعجب من أحد الأصدقاء كلما قبل بالشتائم قابلها بالدعاء لخصمه، ولسان حاله: إذا قابلنا الإساءة بالمثل متى تنتهي؟! 

إذًا فحكمنا على القلوب لا يكفي، فالأفعال هي التي تلامس الآخرين وهي محط التقييم، لهذا من الضروري أن تحجب النوايا السيئة، وتحول الحسنة لأفعال متحركة على الواقع .


الجمعة، 8 ديسمبر 2023

لماذا نغفل عن السجود؟!

 


لماذا ناستنكف أحد زعماء قريش الدخول في الإسلام، وكان من اعتراضاته أنّه يأبى أن يُمَرغ أنفه الشامخ في التراب ويرفع عجيزته للأعلى في وضع السجود، إنّه الاستعلاء والأنفة، إنّه الاستكبار والزهو، صحيح أنّ الخضوع لغير الله مذلة، إلا أنّ العز كلّ العز، في التذلل إليه لنيل رضاه، وإنّ أقرب القُرْب منه في لحظات السجود، فهل تذوقنا لذة سجدة؟، هل شممنا عرف خضوع؟، طرد عدو الله إبليس من الجنّة بسبب رفض السجود، بينما المسلم يستسلم ويطيع لخالقه في عدة سجدات متواليات في كلّ يوم وليلة، فهل أدركنا هذا القرب؟، واستشعرنا هذه النعمة التي نرتع فيها؟، هل جربنا طلب الحاجات منه تبارك اسمه في وضع السجود؟

في زمن الماديات من المهم أن نشير إلى ضرورة تحقيق سجدة القرب، قبل أن تبلغ الروح التراق، لعل سجدة إخلاص واحدة تنفع يوم لا ينفع شيء، هل تأملنا آية من سورة القلم، يقول فيها تبارك اسمه: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ)، إنّها حسرة إيما حسرة، لن يتمكن البعض من تأدية سجدة واحدة في ذلك اليوم العظيم، فلما لا نجرب اليوم ونتقرب؟! 

كثيرون يشتكون ويتبرمون أنّ دعاءهم لا يستجاب، والسؤال الصريح: هل كان عرض الطلب وإيراد المطلب في أُكْنَة السجود؟، أم كان الاستنكاف ديدن وعدوى متوارثة من إبليس؟، ثم لماذا لا نستحضر أحقية الخالق لهذا الخضوع؟، لا على سبيل خوف ولا لنيل رجاء، إنما من أجل الاستحقاق والمحبة. ورد أنّ أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي (خادم النبي) سأل النبي مرافقته في الجنّة، فقال له النبي: "فأعني على نفسك بكثرة السجود"، هل تأملنا سر هذا الأثر، وكنوز ما نطوى عليه الخبر؟، لا يغفل اللبيب الأريب عن إدراك الجوهر من فحوى ما يحمله المصدر، فلو قيل لذي لب كذبًا وزورًا أنّ هذا الزر يُفتَح لك به كنوز إرم ذات العماد، لجرب الحصيف العاقل ضغط الزر رغم علمه بتواطئ الرواة على الكذب، كيف إذا كان المعتقد أنّ القائل هو الصادق الأمين، الذي لا ينطق عن الهوى، ألا يحمل ما قاله على صدق المدعى في الإشارة لأهمية السجود؛ لبلوغ المقام المحمود، في تسنم الوسيلة ذات الدرجة العالية الرفيعة في جنّة الفردوس؟، ألا يستحق منا الأمر ضرب القداح بالتجريب؟، كيف وقد ورد: "أقربُ ما يَكونُ العبدُ من ربِّهِ، وَهوَ ساجدٌ، فأَكْثروا الدُّعاءَ".

في الختام نقول إنّ لكل عبادة شائبة، منها شائبة الرياء والفِخَار، فلماذا لا نجرب اكتناه "سجدة السر"؟، في ليلة سوداء بظلمة دهماء، بعيدًا عن لحظ العيون، ليكن السجود سجود قلب، سجود قرب، سجود إخلاص، ألم يرد في الأثر أنّ النبي يسجد في يوم القيامة من أجل الشفاعة، فيأتيه الخطاب: "يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع"، فيقول: "يا رب أمتي، أمتي"، ألا يقودنا التأمل لبلوغ مكانة السجدة؟، هناك من العباد من عشقه السجود، حتى ظهرت على محياهم الثكنات الغر في الجباة، فإلى كل من طلب بلوغ الفتح، أي فتح، تأمل آخر آية من سورة الفتح، حيث يقول تبارك اسمه فيها: "سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ"، ألا يقودنا ذلك لتجربة هذا السر الأعظم؟، فلماذا نغفل عن السجود؟!

الخميس، 9 نوفمبر 2023

أصنع ما تصنعه النملة!


 

‎ليس عبثًا أن نتأمل مخلوقات الله، فهلا نظرنا إلى أضعف مخلوقاته (النملة)؟، قد نجد كثيرًا من الحلول في حشرة صغيرة، فعلامَ نستصغر الصغائر، وما النّار إلا من مستصغر الشرر؟!، أليس الجبل الأشم والهرم الأعظم، عبارة عن تراكم حصيات صغيرة؟، فلنتدبر ونتأمل مواقف النملة، كيف تسير في طيلة مسيرتها؟، وتعمل في فصول سنتها؟، يقول الإمام علي بن أبي طالب واصفًا إياها: "ﺃﻻ ﻳﻨﻈﺮﻭﻥ ﺇﻟﻰ ﺻﻐﻴﺮ ﻣﺎ ﺧﻠﻖ؟، ﻛﻴﻒ ﺃﺣﻜﻢ ﺧﻠﻘﻪ؟، ﻭﺃﺗﻘﻦ ﺗﺮﻛﻴﺒﻪ، ﻭﻓﻠﻖ ﻟﻪ ﺍﻟﺴﻤﻊ ﻭﺍﻟﺒﺼﺮ، ﻭﺳﻮَّﻯ ﻟﻪ ﺍﻟﻌﻈﻢ ﻭﺍﻟﺒﺸﺮ"، ثم يردفُ أبو الحسن في حديثه مفصلًا: "ﻛﻴﻒ ﺩُﺑّﺖ ﻋﻠﻰ ﺃﺭﺿﻬﺎ، ﻭﺻُﺒّﺖ ﻋﻠﻰ ﺭﺯﻗﻬﺎ، ﺗﻨﻘﻞ ﺍﻟﺤﺒّﺔ ﺇﻟﻰ ﺟِﺤﺮﻫﺎ، ﻭﺗُﻌﺪُّﻫﺎ ﻓﻲ ﻣُﺴﺘﻘﺮِّﻫﺎ، ﺗﺠﻤﻊ ﻓﻲ ﺣَﺮِّﻫﺎ ﻟﺒﺮﺩﻫﺎ"، قال لي صديق بعد نزول الراتب بيوم: "هل تعرف أنّه لم يتبقَ لي من الراتب إلا بضع ريالات؟!"، فاجأني حديثه، وقلتُ في خاطري: "يا للهول!!، هل يطير الراتب كما تطير النسور؟، أم أنّ الراتب لا يكفي الحاجة كما يقال؟، أم أنّ الأمر يكشف عن ضياع بوصلة التدبير، إذ لم نتعلم من النملة أسلوب حياة، ولم نفقه أبجديات الإدخار؟!"، لقد تعلمنا منذ الصغر حكاية الصرصار والنملة، التي تدفع قوت صيفها ليوم شتائها، علينا أن نتعلم فنون إدارة الأزمات بالاستباق، حيث التحصيل من الرخاء إلى الشدة، ومن الشباب والكد إلى زمن الشيخوة والتقاعد، قال عز من قال: (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)، ما أجمل حديث النملة، وما أبهى فطنتها، ودقة لفظها، حيث لم تكتف بحماية نفسها فقط، بل هرعت تقرع طُبُول النذير وتعزف بوق النفير، لتحذر جميع قومها، من خطر محذق بهم، هو زحف الجيش الجرار، لم تكتف بذياع المشكلة، بل هَبّت همتها بوضع  الحل الاضطراري، وألفتت لمخرج الطوارئ: "يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ"، إننا نتعلم من النملة إنذار الآخرين، والتحوط بالانسحابات التكتيكية، فليس السائق البارع من يحمي نفسه من أخطائه فحسب، بل يتحاشى بذكائه جميع دوائر الخطر التي تثب في الطريق، وإنّ لم تكن تلك المجاوزات مقصودة، وهذا ما أشارت إليه النملة بقولها: "وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ"، بمعنى أن نحمي أنفسنا من أخطاء الساقطين في مصيدة النقطة العمياء! 


‎هل نعلم أنّ فك النملة أقوى من فك التمساح بالمقارنة بحجمها؟، لننظر لأحجامنا؛ ولنتفوق على التماسيح بقوة التفكير، كما هي طبيعة النملة، تتحرك بفطرتها فتتخير الأماكن المناسبة لمعيشتها، فبعضها ينتخب شجر الخرنوب، لكونه يفرز محلولًا سكريًّا ينفع صغاره، فهل تخيرنا المواقع بما يعود علينا وعلى أطفالنا بالمنفعة؟! 


‎المتعمق في قراءة عالم النمل يدرك أنّ هذه النملة تفرز موادًا كيميائية مطهرة، لتعقيم الأعشاش وتطهير البيوض واليرقات والشرانق، بل وتطهر غذائها المختزن لفترات طويلة، أفلا نتعلم منها ضرورة استخدام المعقمات؟، ومزاولة استخدام قواعد السلامة، لنا ولأبنائنا ولمساكننا وطعامنا؟، من المعروف أنّ النمل يتسلح بحمض النمليك وهو عبارة عن مادة مخدرة تستخدمه كخطة دفاعيّة لصد الهجوم المباغت، فماذا نصنع أمام المخاطر والخصوم التي تحيك بنا الدوائر؟!، هل أعددنا الأحماض الدفاعيّة لصد تلك الهجمات الفتاكة المشرئبة؟! 


‎إنّ للنمل ذكاءات متعددة، فهي مصممة موهوبة، ويكفينا مثلًا أنّ نضرب بتصميم أعشاشها نموذجًا، حيث ترفع مدخل العش فوق مستوى سطح الأرض لتتحاشى المياه والأمطار، بل وتمارس الصيانة المستدامة لتقاوم الأعشاب الضارة وتكافح بقايا الطعام، وتواضب على ترتيب منزلها، فهلا اتخذنا من هذه العبقريّة مثلًا للاحتذاء؟! 


‎من مميزات النمل أنّ لها مجسات وقرونًا استشعاريّة، مخصصة للتحسس والتذوق والاتصال لبث المعلومات واستقبالها، فلما لا نتحسس بما يجري من حولنا لنتخذ التدابير الوقائية قبل وقوع الكارثة؟!، لقد زود الله أرجل النمل بشعيرات صغيرة، لتساعدها على التسلق والمشي وتنظيف الجسد، فهل تفكرنا في أهميّة النظافة الشخصيّة ومزاولة الرياضّة التي أضحت من أثقل الممارسات؟! 


‎النملة حشرة نشطة دؤوبة العمل، فلا تصحو إلا وترى النملة تعمل، ولا تبيت إلا وتراها تعمل، وكأنّ أجفانها استطابت آهات السهر، أفلا نستحي حين لا نتجافى عن الكسل والكرى؟، إنّ النملة تحافظ على نظافة البيئة، وتلقح الزهور، وتقلّب التربة ليتخللها الهواء، إنها عنصر هام لتحقيق التوازن في عالم الحشرات.


‎رغم أنّ الحكمة كبيرة في استفادتنا من هذه النملة، إلا أنّ من طبعنا استصغار الهوام الضعيفة، وتحاشي توافه الحشرات، لذا فمن الطبيعي أن تضيع منا قصة النملة بين تزاحمات الآيات، عليه كان من المهم حقًا إبراز هذه القصة بتسمية تلك السورة بسورة النمل. 


السبت، 21 أكتوبر 2023

عام بطعم القهوة

 


يقولون لي: "كل عام وأنت بخير"، فما عساي أن أقول؟، والأحزان تلو الأحزان، والآهات تتلو الآهات، يقولون لي: "كل عام وأنت بخير"، وكل عام يأتي بما هو أصعب، كل عام يأتي.. يأتي معه بأصناف البلاء، بألوان متعددة كألوان الفسيفساء، كم هي الامتحانات التي نخفق في أكثرها؟، ونسقط في معظمها، ولا نظفر إلا في اليسير اليسير منها، حتى هذا اليسير الذي نظن أنّه بمجهودنا ونتفاخر به، لم يكن منطلق الأساس نجاحنا، لكننا نشمخ بالأرانب خيلاءً، وكأنّ التوفيق حريرة دودة قز نَسْجُهَا من علم عندنا، وكأنّه لا دخل للسماء في بوادر التوافقات والتوفيقات. ما طعم الحياة لمن فقد فيها أمًا وتلا في فقده أب، لا طعم لتلك السعادة، فهي مشوبة كدرة عكرة، فهل نحظى من هذه الديار بالزلال؟

مَرّ عام جديد يا أمي ولا تزال الآلام هي الآلام، مَرّ عام جديد يا أمي ولا تزال الجراح تنكأ الجراح، "ليت شعري، أ للشقاء ولدتني أمي، أم للعناء ربتني؟!"، ليت شعري، إلى متى نعاني الأمرين في دروب الحياة؟، عام بطعم القهوة يا أم، هل لي بطرح ما كتمت: لماذا ينحبس عنا الراحل؟، ولا نرى منهم إلا غبار الشواهد، لماذا تضيق المضائق على سعة البحور؟، لماذا يقتر بالشمع من سكن النهار؟، هل نتلوا آيات الصبر؟ أم نتزر بالتسليم والرضا؟، إننا نحتاج أن نرى الأمور بعدسات مختلفة، بحيث لا نرى إلا جمال صنع الصانع، وجمال قدر المقدر، حينها فقط ستكون للحياة طعم ومذاق مختلف. 

بمناسبة يوم الميلاد 
 عبدالعزيز آل زايد  
 22 أكتوبر 2023




الثلاثاء، 5 سبتمبر 2023

ضوء القمر.. كتاب صوتي

 


بعد نجاح سلسلة "ضوء القمر"
الراوي يطلقها صوتيًا للأحبّة الصّغار


يستضيف تطبيق الراوي Alrawi، الكتاب الصوتي الخامس (ضوء القمر)، ضمن المكتبة السمعيّة لإنتاجات الكاتب والأديب السعودي عبدالعزيز آل زايد، حيث يحفل آل زايد بتدشين مبادرات صوتية تدعم المكتبة العربيّة لتثقيف ذوي الإعاقة البصرية ومحبي الثقافة السمعيّة، وقد تم مؤخرًا إطلاق النسخة الصوتية لكتاب "ضوء القمر"، وهو كتاب صوتي قصصي للأطفال واليافعين، تم اطلاقه بعد نجاح النسخة الورقية من سلسلة (ضوء القمر) في شهر يوليو 2022، وهو كتاب قصصي يتضمن 19 قصة تربوية هادفة على شكل يوميات، بطل السلسلة الفتي النجيب (أمير)، من عناوين قصص الكتاب: (حتى لا يموت البحر، المخترع الصغير، رائد فضاء، أوراق ملوّنة، في بيتنا طائر، غزو المستقبل)، يرافق النسخة الورقية العديد من الرسومات الرقمية الاحترافية من إبداع الفنانة: عبير حسن، ومن إنتاج موسسة بيان للنشر والتوزيع في بريطانيا، لمديرها الدكتور مأمون الوادي، يقع الكتاب في 92 صفحة، مقاس 21× 27، راوي الحكايات في النسخة الصوتية المعلقة الموهوبة رامية محمود، بأداء متميز متنوع الشخوص، يقول الأديب آل زايد في معرض هذا الإصدار: "بناء الإنسان يبدأ من الطفولة، وليس صحيحًا أنّ الصّغار لا يفهمون، الأطفال يستوعبون الكثير من المعاني والقيم، والانطلاقة تبدأ من هذه الأزاهير المتفتحة، فهل من غارس يترقب؟". 

صفحة النسخة الصوتية
‏https://alrawi.com/alrawi1/book/64f59df69eac5c71816d4e39?referal=VpGcPovB

العينة الترويجية (البرومو)
‏https://drive.google.com/drive/folders/1RBLdER9Es8xuRVbv6DQEMfsQ3Zs6BgLc?usp=sharing

صفحة النسخة الورقية
https://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb384036-385500&search=books

صفحة النسخة الإلكترونية
https://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=lbb384036-381153&search=books

صفحة الـ goodreds 
https://www.goodreads.com/book/show/61392424


الخميس، 27 يوليو 2023

قانون الجذب الكوني



لنبدأ بهذا الشطر من حكاية طالعناها منذ زمن، وهي أنّ بطل القصة شاب متيم بحبّ النبي، انطلق هذا الشاب مع رفاقه لزيارة طيبة الطيبة، وكان يصرّح بعشقه لصوت الإمام في قراءة القرآن، لم يكن هذا الإمام إلا أحد أئمة المسجد النبوي الشريف، وفي لحظة من لحظات رحلته الشائقة للمدينة المنورة، قال لرفاقه قبل أن يقفل راجعًا لبلدته، ليكشف عن أمنيته الدفينة: "أنا أعشق صوت هذا الإمام، وأتمنى أن يقرأ سورة الرحمن"، يقول راوي الحكاية، فلما كبر الإمام وانهى الفاتحة قرأ: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)، هنا بكى الراوي من صدق هذا الشاب الذي أخبره بأنّه كان يحلم في مناماته بالصحابة ويحدثهم. نكتفي بهذا القدر، لنتساءل مستفهمين: هل بالفعل هناك من إذا تمنى تحققت له أمنياته؟، هل هناك بحق خيوط سحرية يمتلكها البعض؟، إذا نام رأى من أحبّ؟، وإذا تمنى ظفر بحظوته وأمانيه؟. ما هو ذلك السر؟، وكيف يبلغ الإنسان ذلك الشأو والمقام؟، ورد في الحديث: (رُبَّ أَشْعَثَ أغبرَ مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أَقسم على الله لَأَبَرَّهُ)، البعض يركض وراء البخلاء من طبقة الأثرياء، ويترك وراءه رجاءَ ربّ كريم يقول: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَان)، هل سألت ربك ذات يومٍ فلم يجب دعوتك؟، هل طلبت منه ذات مرّة فلم يبرّ بقسمك؟، لنقل أنّ الله لم يمنحك ما ترجو؛ لحكمة تجهلها في ذلك الحين، فلماذا لا تعاود طرق بابه وتتمتع بخوض التجربة؟، تجربة حقيقية لا تمت لدعك المصباح السحري بصلة، إنّما رفع أكف الضراعة لتحقيق المرادات كلمح البصر، لماذا لا نجرب؟، ولكن ليس على نهج عبادة التجار، (إن أعطي رضي، وإن لم يُعطَ سخط)، بل على سليقة: (وجدتك أهلًا للعبادة؛ فعبدتك)، هناك أنهار وأسرار تجري على أيدي أصحاب المقام، لم يكن لهم هدف أن تتحقق على أيديهم تلكم الكرامات، لكنها هبة وهبها الوهاب فهطلت؛ ونالها من نالها من أهل الصفوة أولى الحظوة، فأيهما أغنى؟، من يملك مفاتيح أموال قارون؟، أم من يملك مفاتيح استجابة الدعوات؟، (لو أقسم على الله لأبره)، هناك من يرى أن الدين أفيون الشعوب، وهناك من لا يؤمن بتحقق المعجزات، لكنها تحققت بالفعل، والشواهد لا تحصر، فكيف تحققت إذا كان هذا محض وهم وإدعاء كما يرى من يرى؟


البعض يطرق باب المشاريع ويخوض تجربة الصفق في الأسواق، ولكن - يا سبحان الله - كل باب يطرقه لا يرى وراءه إلا الفشل، الفشل بامتياز، وكأن على الجبين طبع ختم (الخسران)، بينما التوفيق حليف أقوام آخرين، فتراهم لا يضعون أيديهم على شيء إلا تحول من فوره إلى ذهب وحجر نفيس، وهذا ملاحظ ومشاهد، فما هو سر فشل هؤلاء؟ ونجاح أولئك؟، ألا تدفعنا هذه المعاينات للتساؤل؟، ألا تحتوي هذه الأكوان على أسرار؟، فليتأملها المتأمل، قد يقول القائل: "مصادفة وقعت، كما يقع التماثل لحجري النرد على نقاطها الست في بعض المرات، تمنى المتمني أن يسمع سورة الرحمن فكانت، محظ صدفة أن تتمنى فتحظى، إنها مجرد مصادفات ليس إلا!!"، ولكن ماذا إذا كانت هذه الأمنيات والمصادفات المتحققة مستدامة ومتواترة؟، وكأنها سلسلة الذهب التي لا تنقطع؟، ألا تثير في أعماقنا هذه الوقائع التساؤلات؟، كيف كان ما كان؟، قد يكون الشيء المتمنى صغيرًا وقد يكون غير ذلك، قد يكون المتمنى نافعًا وقد يكون غير ذلك، السؤال: هل بالفعل هناك ما يسمى بقانون الجذب الكوني؟، كثيرون من تحدثوا عن البارسيكلوجيا والطاقات الخارقة، كالتخاطر، والتحذير قبل الوقوع، واستجلاب المشتهيات، ودفع المستكرهات، والتقاط الإشارات الكونية، وغيرها كثير، هل بالإمكان الاعتماد على مثل هذه القطفات وتصديقها؟، البعض اعتبرها مجرد أوهام؟، البعض حرمها ورآها معارضة للأديان، وأنها بداية لطريق الانحراف والانجراف الموصل للشرك بالله، البعض دفعه الفضول للتجريب، وقد عثرنا على عدة طرق يتبناها المعتقد بهذه القوانين الجاذبة، منها على سبيل المثال: أن تتمنى ما تريد الحصول عليه، ثم تغمض جفونك وتصدق بإيمان قاطع بأنك ستحصل حتمًا على ما تريد، فتتحقق لك الأمنيات.


لسنا ممن ينكر الحقائق، ولسنا ممن يميل لتصديق الأوهام، ومن الواضح أنّ هناك خوارق وقدرات، البعض وصل إليها بخوض التمارين والارتياضات والمجاهدات، البعض أخفق، البعض أنكر، البعض له رأي بين الرأيين، ما لا نستطيع نكرانه أمران، الأول أن هذا الكون ملغم بالأسرار التي تستحق أن تسبر لتكتشف، والأمر الثاني أننا لا نزال نغرق في مزيدٍ من الجهل وهذا ما يعاضدده القرآن في قوله تبارك وتعالى: (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا).

الجمعة، 19 مايو 2023

الحجاج طاغية زمانه!!

 



من المعروف أنّ الحجاج بن يوسف كان سفاكًا مبيرًا لا يرحم من ظفر به، وغير واحد لقبه بـ (الطاغية)، حتى أنّ عمر بن عبدالعزيز وصفه بـ (عدو الله)، وقيل في لقب تسميته بالحجاج أنّه كان يفرط في تحطيم العظام، ويكفي التاريخ ما رواه عنه في قتله لسعيد بن جبير (التقي الصالح)، رغم كل التراجيديا التي رافقت ذكر الحجاج الثقفي إلا أنّ هناك  من يبرئ ساحته، حتى في قذفه الكعبة بالمنجنيق، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والحجاج بن يوسف لم يكن عدوًا لها ولا أراد هدمها ولا أذاها بوجه من الوجوه ولا رماها بمنجنيق أصلًا،  ولكن كان محاصرًا لابن الزبير وكان ابن الزبير وأصحابه في المسجد وكانوا يرمون بالمنجنيق له ولأصحابه لا لقصد الكعبة وإن يهدموا الكعبة"، فهل كان الحجاج بالفعل مبيرًا طاغية؟!، أم أنّ للحجاج وجه آخر يرفض الكثير إيراد فضائله؟! 


اعترض أحدهم على شيخه وأستاذه (علي بن محمد عوده) حين روى الأستاذ قصة زواج أبي الحجاج الثقفي من أم الحجاج، نقل هذا الشيخ: رواية عن محمد بن إدريس الشافعي، تشير أنّ أم الحجاج كانت تحت المغيرة بن شعبة فلما رآها تخلل أسنانها من أول النهار طلقها، حيث ظن أنها أنانية استفردت بالطعام قبله، أو أنها قذرة لم تخلل ما علق في فمها من البارحة، فردت عليه بعد طلاقها قائلة: "والله ما كان شيء مما ذكرت، ولكني باكرت ما تباركه الحرة من السواك فبقيت شظية في فيّ"، فأشار بها المغيرة ليوسف الثقفي، فلما بنى بها وواقع، سمع هاتفًا يهاتفه في المنام يقول له: "ما أسرع ما ألقحت بالمبير!!".


قال المعترض على الأستاذ الشيخ: "رحم الله أم الحجاج وأبوه كانا من القرون المفضلة، ولا تز وازرة وزر أخرى وهذه القصة ظاهرها الكذب"، ثم عتب المعترض أنه ما كان يليق بالأستاذ نشر هذه الحادثة على الأشهاد، فرد عليه الأستاذ برواية في صحيح مسلم بشرح النووي بعد أن قال له: "الحجاج مبير سفاك للدماء بلا جدال . وهذا في صحيح مسلم"، نقل الشيخ الأستاذ حادثة مقابلة الحجاج بن يوسف مع أسماء بنت أبي بكر المعروفة بذات النطاقين بعد مقتل ابنها عبدالله بن الزبير، حيث قال لها الحجاج فيما قال: "أرأيت ما فعلت بعدو الله (يقصد قتله ابنها عبدالله)، قالت: لقد أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك, أما أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يظهر في ثقيف كذاب ومبير", أما الكذاب فقد رأيناه (وتقصد بالكذاب المختار الثقفي الذي إدعى النبوة)، وأما المبير فلا أخاله إلا أنت .


عثرنا على آراء متضاربة في تقييم شخصيّة الحجاج، فهل بالفعل كان طاغية زمانه؟، أم له وجه غير الوجه الذي ضخمته الأقلام والسينما، قال بعضهم: إن الحجاج كان يعظم القرآن، حافظًا له كعادة أهل الطائف الذين أثنى عليهم عثمان بن عفان، وقال آخر: كان تقيًّا ورعًا يعظم القرآن، وكان بداية نشأته معلمًا للصبية القرآن الكريم. ينقل بعضهم أنّ للحجاج صفات نبيلة إلا أنّ السر في تغيره حادثة صفعه على وجهه بالسياط من قبل أحد رجالات الشرطة إثر وقيعة وقعت بينه وبين صبية من ذهل، يقول صاحب هذا الرأي فعزت على الحجاج كرامته أن يهان وهو بريء، فلتحق بفريق عبدالملك بن مروان في الشام، حتى ثبت وعلى ذكره لدى الخليفة، ومن طريف استشهادات هذا الفريق أنّ للحجاج أبياتًا شعرية يدافع بها عمن يرى أنه خالد مخلد في النار، يقول الحجاج في ذلك:


يَا رَبِّ قَدْ حَلَفَ الأَعْدَاءُ وَاجْتَهَدُوا 

بِأَنَّنِي رَجُلٌ مِنْ سَاكِنِي النَّارِ


أَيَحْلِفُونَ عَلَى عَمْيَاءَ؟ وَيْحَهُمُ 

ما عِلْمُهُمْ بكريم العَفْوِ غَفَّارِ؟


البعض اتخذ موجة الاعتدال سعيًا للتسديد والمقاربة حيث قال بعضهم أنّ للحجاج فضائل وعليه مثالب، وهناك من رأى أنّ الأوفق التوقف عن الخوض في مثل هذه الأحداث الشائكة، والأولى لديه إغلاق كل ما وقع في التاريخ من فتن لامست حياة الصحابة والتابعين، وأن نكل حكمها إلى الله وحده، فبيده الثواب والعقاب والجنّة والنار، إلا أنّ البعض رفض هذا السكوت ولم يعثر للحجاج فضيلة، حتى أنّ هناك من أخرجه من ملة الإسلام ونعته بالكفر الصراح، حيث ذكر ابن كثير رواية تشير إلى أنهم قد اختلفوا في أمر الحجاج فسألوا مجاهدًا فقال تسألون عن الشيخ الكافر!، وروى ابن عساكر عن الشعبي أنه قال: "الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت كافر بالله العظيم"، فمع أيّ فريق أنت؟