في إحدى جولاتي على صفحات الإصدقاء، شاهدت صورة طفلة رسمت لأبيها لوحة بمناسبة يوم الأب. رسمت البحر والجبال، ووسط البحر قمر واحد فقط، كتبت عليه: (بابا)، وزيّنته بقلب وثلاث نجوم. لا قارب، ولا شمس… فقط قمر. هي ليست مجرد خطوط وألوان تبعثرت على ورقة بيضاء، بل روح سُكبت، وقلب صغير يتحدّث بلغته النقية. ربما أرادت أن تقول: إذا كانت الحياة جبالًا وبحارًا تضجّ بالمتاعب، فأنت يا أبي، أنت القمر الذي يضيء ظلامي ويهديني. فهل تدرك ماذا يعني أن تكون قمرًا في قلب صغير، يتوهّج حبًا وأمانًا؟
اسبينوزا الشرق Spinoza of the East
الجمعة، 16 أكتوبر 2026
لا تنسَ.. أنت القمر
الخميس، 18 يونيو 2026
أثر الذكر في طمأنينة القلب
ورد في الدعاء: «واجعل لساني بذكرك لهجًا، وقلبي بحبك متيمًا». دعاءٌ صغير في ألفاظه، واسعٌ في أثره، يختصر رحلة الإنسان مع الذكر؛ رحلة تبدأ بهمسة صادقة، وتنتهي بطمأنينة لا يشبهها شيء في زحام الدنيا وضجيجها كنتُ أتساءل دائمًا: لماذا البعض يديم على الأذكار؟ لماذا يلهجون بذكر الله دائمًا في كل تفاصيل حياتهم؟ هل بغية ثواب الآخرة فقط؟ أم أنهم يطلبون الحفظ من المكروهات الدنيوية والأوجاع اليومية؟ أم لجلب الخير والرزق الذي لا ينقطع؟ أم هي مجرد عادة طيبة توارثها الأبناء عن الآباء والأجداد؟أتساءل وأنا أرى بعضهم يديمون الأذكار آناء الليل وأطراف النهار، في كل حال وعلى كل وضع.
أراقبهم وأقول: هل هناك أسرار؟ هل في الذكر سرٌّ لا يراه ولا يدركه إلا من داوم عليه بصدق؟ هل هي بركة خفية تتسلل بهدوء إلى حياة الذاكرين وتجعل أيامهم أهدأ وقعًا وأكثر سعة وبركة، وكأنهم يمتلكون وقتًا إضافيًا لا يمتلكه غيرهم؟ في إحدى زياراتي لأحد المطاعم أصابني صداع شديد فاجأني في نهار يوم جمعة. التفتت لي زوجتي ومدّت لي مسبحة حين قلت لها: لدي صداع شديد. قالت بهدوء وثقة: "صلِّ على النبي مائة مرة". بدأتُ أردد الكلمات، وفي منتصف العدد لم أنتهِ إلا وقد زال الصداع والألم تمامًا. تعجبت كيف أن هذا الصداع زال وكأنني تناولت عقارًا سحريًا أو دواءً طبيًا. لم يكن مسكنًا، بل كانت كلمات خرجت بيقين فصنعت ما لم تصنعه الأدوية، وحينها شعرت أن للذكر قوة خفية تتجاوز المنطق المادي.
يا صاحبي، هل هناك أسرار في الأذكار؟ البعض يضع البخور صباحًا لجلب الرزق وطرد الحسد وتسريح الشرور، أليس ذكر الحبيب المصطفى أفضل طيب؟ أليس نور الذكر أقوى وأرسخ أثرًا في النفس وأبقى في القلب من أي رائحة تتبدد سريعًا؟ هل سمعت بمعجزة الصباح؟ ماذا لو قلت لك إن في الأذكار معجزة تغير كيمياء يومك؟ هل تصدق؟ البعض يطلب وسائل الدنيا ويغفل عن وسائل الآخرة. ماذا لو وضعت شيئًا من الذكر على مشروعك الجديد، ولو بمقدار الملح في الطعام؟ ألا يحدث هذا الذكر فارقًا؟ ألا يفتح بابًا للبركة لم يكن مُحتسبًا؟ ألا يزرع طمأنينة في القلب تجعل خطواته أثبت؟ شاهدتُ إحداهن تبخر سيارة ابنها الجديدة، ولكن هل جرّبت أثر الذكر؟ أليس في القرآن آيات الحفظ والحراسة الإلهية؟
لماذا يصدق الناس أثر البخور الذي يزول، ولا يصدقون أثر الأذكار التي هي وعد إلهي؟ لماذا نؤمن بالأشياء التي نراها ونلمسها، ونتردد أمام ما يغيّر القلب قبل أن يغيّر الظاهر؟ إن ذكر اسم الله على الطعام والشراب يحدث أثرًا كيميائيًا — كما قرأت في إحدى الدراسات الحديثة — فالنية والامتنان يغيران استجابة الجسد. ألا يعني ذلك أن للبسملة أثرًا؟ لماذا يتهاون البعض بالبسملة وهي من أهم الأذكار، وخاصة عند البدء في المشاريع والأمور؟ كأنها مفتاح صغير يفتح أبوابًا كبيرة لكن الناس يغفلون عنه بتهاون. هل هذا الكلام كلام عجائز وخرافات؟ أم بالفعل هناك آثار حقيقية، لكننا لم نمنحها الفرصة لتظهر في حياتنا بسبب ضعف اليقين؟
البعض لا يستخدم الأذكار تهاونًا أو ضعفًا في اليقين. ولكن ماذا لو كان للذكر أثرًا ملموسًا على حياتك وطمأنينة قلبك، ألا يستحق التجربة؟ لماذا لا نجرب أثر الأذكار في حياتنا ونراه بأعين قلوبنا؟ بعضهم لا يستطيع التنفس إلا بالذكر. تعجبت من مريض سلّمه الله من جلطة خطيرة، فأقسم مع نفسه أن لا يتكلم إلا بحمد الله. إذا سأله أحدهم قال: "الحمد لله"، وإذا أراد الحديث قال: "الحمد لله". لقد أصبح الذكر له أكسجينًا لا يستطيع العيش من دونه، كأن قلبه يرفض الحياة ما لم يذكر الحبيب. الكل يقول: ضاعت من دنيانا البركة... ألا تعتقدون أن السر في أننا تركنا بركة الأذكار والاستغفار؟ هل البركة غابت أم نحن من غبنا عنها حين هجرنا لغة السماء؟
كل عاقل إذا أدرك أثر الذكر في حياته سيديم أذكاره. فإذا عجزت عن قول الحمد لله مائة مرة، فقل الحمد لله ولو مرة، فالله يضاعف لمن يشاء. والقليل عند الله ليس قليلًا. وقد لا تفوتك البركة، بل قد تتنزل عليك من حيث لا تحتسب. الذكر لا يحتاج إلى منصة، ولا إلى صوت عالٍ، ولا إلى جمعٍ من الناس. يكفيك أن تهمس به في نفسك، في الطريق، في المطبخ، قبل النوم، وأنت تقود السيارة. يكفي أن تذكرهُ بصدق، فيذكرك هو بعظمة. تذكّر قوله تعالى: "َاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ". أي وعد أعظم من هذا؟ يكفي أن تذكره، فيذكرك. يكفي أن تهمس، فيصلك الصدى من السماء.
أرجو أني قد وفقت في تقديم خطوة واحدة في سبيل إشاعة مجالس الذكر. فابدأ بكلمة واحدة، بقلب حاضر، فالقليل في هذا الباب ليس قليلًا أبدًا.
الخميس، 7 مايو 2026
لماذا الرجل أجمل من المرأة؟
ليس هذا السؤال همسًا يُخشى منه، ولا صرخة استفزاز تُفضي إلى صدام عاطفي؛ بل هو نافذة تأمّل مفتوحة على صفحة الخلق الإلهي، نقرأ من خلالها توزيع الحُسن، والقوة، والهيبة، كما أرادها الله لا كما زينتها الأهواء. إنه تساؤل عن الحكمة التي جعلت الجمال والكمال في أنصع صوره وأجلاها مقيمًا في ساحة الذكورة، وعن السبب الذي جعل الهيبة والفتوة والجاذبية في الذكر قاعدة، وفي الأنثى استثناءً أو تكميلًا. فالجمال ليس حِكرًا، لكنه في أغلب مواطن التجلي والكمال البنيوي يُسلَّط الضوء فيه على الرجل لا المرأة. والمقصود هنا ليس الزينة المصطنعة التي تتقنها النساء، بل الجمال البنيوي الأصيل، الجاذبية الصامتة، والهيبة المتأصلة التي تسكن الملامح قبل أن تُنطق بها الألسنة، ذلك الذي يُعرف بـ "الحُسن" الذي يُورث ولا يُكتسب.
١/ الذكر حامل راية الجمال
قبل أن ندخل عالم الإنسان، يكفينا أن نفتح أعيننا على صفحات الكون. إن النظر في ملكوت المخلوقات يكشف لنا عن قاعدة متكررة لا تخطئها العين، وهي أنّ تمحور الجمال الظاهر والاستعراض حول الذكر، وكأن الإبهار والإلماع فُطر عليه، لا يُكتسب اكتسابًا. في مهرجان الهيبة والزهو يتبدى لنا الأسد ملك الغابة. فيا ترى ما الذي يميّزه عن اللبؤة؟ لبدة مهيبة، وقامة شامخة، ونظرة آمرة، ومشيٌ سلطاني رصين يجعل حضوره طاغيًا. اللبؤة عملية صامتة تؤدي وظيفتها، لكنها بلا هالة. الطاووس الذكر لوحة زاهية، أما الأنثى فباهتة، كما لو أنها كائن وظيفي خُلقت لتكون مرآة الجمال لا مصدره.
أما في سلطان الصوت والإتقان حين يريد الكون أن يُغني، من تراهُ يغني؟ إنه الذكر. ذكر الكناري وحده من يشدو ويُطرب ويُرفع ثمنه، بينما أنثاه ساكنة بلا صدى. الجندب الذكر هو من يُرنّم في آناء الليل وأطراف السحر، والأنثى تصغي. وحتى في البحر، سمك الزينة الباهر غالبًا ما يكون هو الذكر المزهوّ بألوانه. هذا التوزيع ليس عبثًا. إنه نظام بيولوجي فطري يربط الجمال بالقيادة، وبالفتوة، وبالقدرة على الجذب والإشارة إلى السيادة. وكأن الخالق جلّ جلاله أراد للجمال أن يكون في الذكر رايةً، وفي الأنثى استجابةً.
٢/ جمال القوة والهيبة والزي
حين ننتقل من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان، لا تنقلب القاعدة، بل تُصاغ بطريقة أعمق وأرقى. فإليك الكمال البنيوي: الرجل يتمتع في الغالب بقامة ممشوقة، وكتفين عريضين، وبنية عضلية متناسقة، وهيكل يميل إلى الحدّة والمهابة. هذه الهيئة ليست مجرد شكل، بل رسالة صامتة تقول: "أنا أصلب، أنا أقوى، أنا المؤتمن". إن الجمال الذكوري ليس جمالًا مائعًا، بل جمال متين، ثابت، يُؤسَر به النظر لأنه يجمع بين الصلابة والتناسق. فماذا عن هيبة المظهر؟
حتى ما يُعدّ من مظاهر "الخشونة الذكورية" كاللحية أو العمق في ملامح الوجه، تحوّل إلى رموز جاذبة. اللحية التي كانت رمز رجولة صافية أصبحت في عصر الصورة رمزًا جماليًا يؤسر به النظر. الحواجب المحددة، النظرة الواثقة، خطوط الوجه الحادة. كلّها إشارات جمالية لا تحتاج إلى تزيين مصطنع. فماذا عن تميّز الزي؟ عبر التاريخ، ظلّ الزي الرجالي رمزًا للثبات والجلال: العباءة، المشلح، البذلة الرسمية، البدلة العسكرية، الطربوش، العمامة… كلها أزياء تمنح الرجل هالة وتُعطيه مهابة. أما المرأة فتطارد الموضة موسمًا بعد آخر، لأن الجمال عندها يُصنع ويُجدد. أما عند الرجل فهو يُصان ويُحتفى به. إذًا الجمال في الذكر يكمن في القدرة على أن يكون أنيقًا بهيبته لا بتكلفه، جذابًا بقامته لا بألوانه، مهيبًا بثباته لا بحركته.
٣/ يوسف ميزان الحُسن
إن أقوى دليل نصي على أن الجمال الأعظم وُضع في ميزان الرجل هو ما خلّده الوحي عن جمال نبي الله يوسف. لم يضرب القرآن مثلًا في فتنة الجمال بامرأة، بل برجل، بل بنبي، بل بجمال بلغ حدّ الذهول. فهل تأملت في تلك الفتنة السماوية الساحرة؟ حين دخل يوسف على النسوة، لم يتكلمن عن هيبته أو علمه، بل ذُهلن من جماله حتى قَطّعن أيديهن وقلن: "حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ". هذا المشهد القرآني ليس تفصيلًا أدبيًا، بل تأسيس رمزي لمقام الجمال الذكوري. الجمال الذي يُفقد التوازن ويثير الدهشة، أُسند لرجل. فهل أدركت الجمال الكاشف - لا التمجيد - في الرجل؟ لنتأمل الآيات باحثين عن سحر الأنوثة، سنجد وعلى النقيض، حين ذكر القرآن جمال امرأة العرش بلقيس، لم يُمجّد حُسنها، بل أشار إلى ساقها في سياق كشف لا تمجيد. كأن الرسالة تقول: الجمال الأعظم والأبهى في أنّ آية الحُسن والإدهاش في الرجل لا في المرأة.
إنّ الجمال في يوسف ليس شكلاً فحسب، بل رمزًا: جمالٌ يليق بمن حُمّل بالنبوة والعفاف في آن واحد. فهو ليس جمال غواية، بل هو جمال تكوين وهداية.
٤/ جمال التكليف والاصطفاء
إن هذا التميّز في الجمال ليس عارضًا، بل ينسجم مع أرجحية في التكليف والمسؤولية والدرجة التي جعلها الله للرجل. لنتأمل في مقام الدرجة، حيث يقول تبارك وتعالى: "وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ". هذه الدرجة ليست تسلطًا، بل قوامة ومسؤولية وحمل ثقيل. من الطبيعي إذًا أن يُمنح الرجل من عناصر الجمال والهيبة ما يوازي هذا الحمل. ولنتأمل قانون الميراث، حيث يقول تبارك اسمه: "لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ"، ليس تفضيلًا مجانيًا، بل عدل موزون مع النفقة والمهر والحماية. الجمال هنا ليس ميزة فارغة، بل يتناسب مع مسؤوليات القيادة والإنفاق. فماذا عن الشهادة والضبط؟ لقد جعل الله سبحانه وتعالى شهادة الرجل تقابل شهادة امرأتين في المعاملات المالية، لا انتقاصًا من المرأة، بل لأن الرجل مُهيّأ فطريًا لقدر أكبر من الضبط، والاتزان، وتحمل المسؤوليات الفكرية في الفضاء العام. والآن نأتي إلى مرتبة الروح والاصطفاء النبوي والملائكي، حيث نشهد أنّ جميع الأنبياء رجال. وجميع الملائكة وُصفوا بصيغة المذكر. وجاء التنديد السماوي: "إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى"، فهل كان هذا عبثًا؟ أم أنّه يرجح أنّ الذكورة لها النصيب الأوفى في حمل الرسالة وحمل لواء الهداية، كما أنه حُمّل معها فتوّة الجمال وهيبة التكليف والكمال.
٥/ التاريخ شاهدٌ لا استثناء
لنتساءل بإنصاف: من يملأ صفحات التاريخ؟ من الذي تتعلق به الصور والتماثيل والرموز؟ من الذي يُخلّد اسمه كقائد، مصلح، عالم، ملك، شاعر، فاتح؟ الجواب واضح وبلا منازع: أغلبهم رجال. والمرأة إن تظهرت أحيانًا، فهي كاستثناء مدهش لا كقاعدة. وهذا لا يعني انتقاصًا منها، بل يعكس تموضعًا حضاريًا جعل زمام القيادة والرمزية في يد الرجل، فتُرجم حضوره في الفعل لا في الزينة والمظهر. حتى في عالم الفنون، من رسم التماثيل الضخمة وأيقونات المهابة؟ الإسكندر، الفرسان، الفاتحون، القادة، الأنبياء. أليس كلهم رجال؟ وكأنّ الجمال الذكوري هو ما صُنع منه وجه التاريخ.
٦/ الذكورة جمال هيبة لا غواية
من المهم هنا أن نفرق بين جمال الفتنة وجمال الفتوة. جمال المرأة في الغالب جمالُ غواية، يلفت ويجذب ويُثير الحواس. أما جمال الرجل فغالبًا جمال فتوّة وهيبة، يثير الانجذاب الهادئ ويمنح إحساسًا بالأمان والقوة والثبات. المرأة تصنع الجمال بالكحل والعطر والفستان والألوان، أما الرجل فيحمله في صوته، ونظرته، وبنيته، ومشيته، وثباته. وهذا الجمال هو ما يجعل المجتمع يتلقاه قائدًا لا تابعًا.
في الختام وحتى لا يتحول الحديث عن الجمال حديث صراع وتنافس واستفزاز، نقول مشيرين إلى الميزان الإلهي الدقيق: هل إن الرجل أجمل من المرأة؟ الجواب نعم. من زاوية الكمال البنيوي، والهيبة، والفتوة، نقول هو الأجمل والأكمل والأبهى. ليس لأنه أذكى أو أفضل، بل لأن الحكمة اقتضت أن يُمنح هذا الجمال ليتناسب مع الدرجة والقوامة والتكليف. إذًا فإنّ الجمال في هذا الكون موزّع بميزان خفيّ لا يخطئ. الجمال عند الرجل ثابت ومهيب، وعند المرأة متجدد وزخرفي. الجمال عنده يقود، وعندها يتزيّن ويتفتح. كلاهما جميل. لكن أحدهما أبهى في صورة الأصل، والآخر أبدع في التكميل. فإن صحّ أنّ الرجل أجمل، فالأجمل من ذلك كلّه: من خلقه جميلاً. ووزّع الحُسن والقوة والدرجة بحكمة لا تميل. إذًا لا صدام هنا، بل تدبر في ميزان إلهي دقيق لا يُقاس بالأهواء. فإذا كان الجمال في الرجل راية، فإنه في المرأة ربيع، وبهما يكتمل المشهد الإنساني كما أراده الخالق.
عبدالعزيز آل زايد
الأربعاء، 1 أبريل 2026
أساطير هدهد سليمان ( ٤ )
لا نزال في الحديث عن أسرار وعجائب الهدهد التي تتناقلها الشعوب وتتحدث عنها الأساطير والمرويات الغريبة، فمما قرأناه في سر الهدهد أنّ دم الهدهد يستخدم لصياغة الطلاسم السحرية، وفي بعض الأساطير أنّ لدى الهدهد القدرة على مشاهدة النيازك في السماء، وقيل إنه كان يمتلك أسرارًا خطيرة، لهذا نُفي بعد وفاة سليمان عن الأرض. وقيل إن هذا الهدهد لا يزال موجودًا، وسيعود ليكشف عن سر عظيم. ويُشار في بعض الأساطير الفارسية إلى أن هدهد سليمان ليس طيرًا عاديًا بل كان مخلوقًا سماويًا بعثه الله ليكون رسولًا إلى سليمان ليخبره بالكائنات الخفية، وبعض الإسرائيليات تقول إن نصف هذا الهدهد طير ونصفه الآخر جني، فهو مخلوق مزيج بين الاثنين، بعض المرويات القديمة أشارت أنّ الهدهد لا يتكاثر، ولا يظهر إلا إذا كان في الزمان حاكم عادل كسليمان النبي.
بعض الأخبار تقول إن للهدهد مقدرة خارقة حيث يستطيع رؤية ما في بطون القبور ويكشف أحوال الموتى. وفي التراث الهندي أنّ هدهد سليمان يستطيع معرفة المستقبل، وكان سليمان يستفيد منه في التنبُّؤ عن الأخطار المستقبلية. بعض الأخبار المغربية تقول إنه لا يستطيع البشر الإمساك بالهدهد لكونه يختفي من اليد ويظهر في مكان آخر. بعض المرويات الإسرائيلية تقول أنّ هدهد سليمان لا يحتاج للطعام بل يتغذى على الطاقة الروحية. وفي التراث العربي لا يجوز قتل الهدهد لكونه طائرًا مقدسًا وأنّ قتله يسلب الحظ من قاتله وتحل عليه اللعنة.
البعض قال أنّ الهدهد كان وزير سليمان وأنه كان يستشيره ويعتمد عليه في حكم مملكته. وفي الأخبار اليهودية أن الهدهد هو من أشار على سليمان ببناء الهيكل استنادًا إلى العمارة الإلهية. وفي رأي فريد اطلعنا عليه أن سليمان لم يكن يعلم لغة الطيور، لكنّ الهدهد كان له المعلم الأول، وإليه تعود الإشارة في الآية: "عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ"، أي أن المعلم هو الهدهد وسليمان كان له التلميذ، وقيل إن من خصائص الهدهد أنه يستطيع التسلل إلى ممالك الجن دون أن يكتشف، لهذا كان عين سليمان عليهم. وفي أساطير الشعوب الصينية يرمز إلى الهدهد بالحكمة، ولدى الإغريق كان الهدهد رسول الآلهة إلى البشر، وفي الشعوب الأوروبية أنّ الهدهد مرشد التائهين في الغابات للطريق الصحيح، وفي بعض الأساطير أن الهدهد لا ينام ولا يغلق عينيه ويظل طيلة الليل يراقب العالم. البعض يرى أنه يتزاوج ولكن وفق اشتراطات معقدة منها تملك الشريك للقدرات والذكاء. بعض الأساطير تقول كل ريشة في الهدهد تحتوي على تعويذة سحرية، وأنه لا يتواجد إلا في المناطق ذات الطاقة الروحية العالية. بعض الأخبار تشير إلى أن هدهد سليمان لم يمت وهو ينتظر المهدي ليقوم على خدمته، البعض قال إنه يعيش في عالم موازي ويستطيع القدوم لعالمنا في ظروف خاصة، وتعتبر بعض التفسيرات الفلسفية الهدهد رمزًا للمعرفة الإلهية وأنه ليس طيرًا بالمعنى الحقيقي.
السبت، 14 مارس 2026
أساطير هدهد سليمان ( ٣ )
الاثنين، 9 مارس 2026
أساطير هدهد سليمان ( ٢ )
لهدهد سليمان حكاية وردت في القرآن الكريم، ونحن في صدد نقل الآراء العجيبة التي تحدثت عن هذا الطائر السليماني، من خلال مطالعة الآيات في سورة النمل يتضح لنا أن سليمان لم يكن يعرف بأحوال مملكة سبأ، وأنه يجهل تفاصيل عبادة قوم بلقيس ملكة اليمن، وهذا ما يثبته قول الهدهد: "فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ"، القصة القرآنية توضح أنّ سليمان لم يكن يعلم بعبادة أهل اليمن للشمس، حيث قال الهدهد: "وَجَدْتُها وَ قَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّـه"، وكان رد سليمان قاطعًا بأنه غير عالم بمدعاه: "قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ"، ثم بعثه بكتابه ليختبر صدق مدعاه، وكان الهدهد هو الصادق الأمين في هذه الحكاية.
فهل فعلاً كان هذا الهدهد مجرد طير عادي؟ أم أن له شأنًا لدرجة أنه يكسب بطولة الحكاية وأفلت من عقاب سليمان؟ بل ارتقى مقامه إلى أنه أحاط بما لا يعلمه الملك رغم ما أوتي من ملك؟ البعض شكك في أن يكون الهدهد قد قطع المسافة من بيت المقدس إلى مملكة سبأ باليمن، إلا أنّ البعض منحه قدرات عجيبة، منها معرفته لعذوبة المياه وهي في تخوم الأرض، البعض قال إن ليس كل الهداهد لديها هذه المقدرة، بل هي خاصية فريدة تفرد بها هدهد سليمان وهي منحة إلهية وتكرمة له لكونه في خدمة سليمان النبي، ومن الأساطير التي نقلت عن هذا الهدهد أنّ في رأسه جوهرة سحرية، من أسرارها اكتشاف مواقع المياه، وبعضهم قال: هي في يد سليمان، يمنحها للهدهد وقت الحاجة.
في بعض الإسرائيليات إشارة إلى أن الهدهد كان عين سليمان على الجن، وكان رقيبًا ومخبرًا لسليمان على من يتمرد منهم. ويُشار في بعض الأساطير الفارسية إلى أنه طائر سحري يحمي مملكة سليمان، ومن الأخبار الإسرائيلية أنّ لهذا الهدهد مقدرة في كشف هجوم الأرواح الشريرة غير المرئية أو الدجالين، فيطلق نفيراً تحذيريًا كناية عن دنو الخطر. وأشارت بعض المرويات الصوفية أنّ الهدهد كان يطوف السماء في الليل ليحذر سليمان من أي خطر قادم، بعض الأساطير تنقل محاورات جرت بين سليمان والهدهد رشحته أن يكون ملك الطيور، منها أن الهدهد أعلن إخلاصه لسليمان وأنه لا يخونه ولا يأكل إلا الحلال ولا يغدر بأحد من الطيور.
وهناك أساطير تقول إن هدهد سليمان بعد وفاة سليمان أخذ يبحث عن ملك يمتلك حكمة سليمان، فلما لم يعثر على مثيل لسليمان اختبأ في كهف من الكهوف البعيدة وهو لا يزال حيّاً كالخضر ولكنه لا يظهر إلا للصالحين، وفي أساطير بعض الشعوب أن هدهد سليمان لا يشرب الماء، وهو أمر غريب يعتقده البعض رغم أنه لا يستقيم مع المنطق.
بعضهم أشار إلى أنه يستطيع استخلاص الماء من الهواء. نقل بعض المفسرين أمورًا عجيبة، منها أن هذا الهدهد كان لديه مقدرة الحديث بلغة البشر، إذا أراد مخاطبة سليمان، بعض التفاسير النادرة أشارت أنّ الهدهد يمتلك قدرة التحدث بجميع لغات الطيور والجن. ومن خلال مطالعاتنا عثرنا على رأي لم نسمع به من قبل، حول سبب غياب الهدهد عن اجتماع سليمان؛ البعض قال إن الهدهد كان محبوسًا في قفص لدى أحد الملوك، والبعض قال إنه كان يفتش عن طعام، والبعض قال إنه كان يبلغ رسالة التوحيد لجماعات من الطيور.
في المرويات اليهودية والإسرائيليات تمتع هدهد سليمان بالكثير من الأسرار، فمن العجائب أن هذا الهدهد يعلم أسرار النفوس وخبايا القلوب، لهذا يعد نادرة من النوادر العجيبة، وكان أثيرًا عند سليمان ويستعين به لمعرفة ما تنطوي عليه نوايا الملوك. بعض المرويات القديمة تقول إنه يمتلك كتاب الحكمة وقيل إنه يمتلك مفتاح المعرفة، وهو مفتاح سحري بواسطته يستطيع هذا الهدهد معرفة خبايا الأرض، وما اكتشاف مناطق المياه الجوفية إلا فلتة من فلتات مقدرته. وقيل في بعض الأساطير إنه يعرف مخابئ كنوز الأرض، وكان هذا الهدهد ذراع سليمان الطولى في بلوغ تلك الكنوز. البعض أشار إلى أن له قدرات فائقة جعلت سليمان يتخذه رسولًا للملوك في المناطق البعيدة. حتى إن في بعض الأساطير إشارة إلى أن له قدرة على الطيران السريع دون توقف لدرجة أنه يستطيع قطع المسافة بين فلسطين واليمن في ساعات قليلة، وهذا أمر هين أمام قدرة من أحضر عرش بلقيس لسليمان في طرفة عين، حيث ورد في سورة النمل قوله تعالى: "قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ".
الجمعة، 27 فبراير 2026
أساطير هدهد سليمان (١)
الخميس، 5 فبراير 2026
حينما يتساقط ريش الباشق
هل رأيت طيرًا يحلق في كبد السماء؟ الباشق أحد الطيور الجارحة التي ترمز للرفعة والعلياء، هو مثال صادق للنجاح الذي يسعى له كثيرون. في تحليقه منفردًا كأنما يشير لذلك الرجل النجم، الذي صعد قمّة النجاح!
صفات البواشق تعكس أضواءً على رحلة الناجحين؛ القوة والعزلة، السعي والتحقيق، الارتفاع والسقوط. فبماذا يمتاز الباشق؟ وما هي الإلهامات المستوحاة منه؟ وماذا يريد أن يقول لنا لو تكلم؟
رؤية تتجاوز الأفق
تمتاز البواشق بحدة البصر والتطلع النافذ، فهي ترى الطرائد من مسافات بعيدة، ولا تغيب عنها أدق التفاصيل. هكذا هم الناجحون في الحياة؛ يرون ما لا يراه الآخرون، يسيرون بخطى ثابتة نحو أهدافهم. غير أن الباشق يحلّق في السماء مفردًا وحيدًا، وهذا حال الناجحين؛ فإنهم رغم امتلاكهم نظرة ثاقبة ينعزلون عن المحيط، لا يرون ما خلف التل، وهو ما يجعلهم يرون العالم بمنظور مختلف، إذ لا يشاركهم في وحدتهم إلا الظل والإلهام.
قوة الاستقلال
الباشق صياد منفرد، لا يحلّق مع سرب، ولا يتقاسم الفرائس. يعتمد على نفسه لتحصيل طعامه، فتراه ينقض على فريسته بكل دقة وحسم، يمتلك روح الاستقلال وقوة السيطرة. هذا السلوك هو ما يتميز به الناجحون؛ فهم يعتمدون على الذات، ويواجهون التحديات منفردين. إلا أن هذا الاستقلال يفاقم مشكلة قفص العزلة؛ فهم يصعدون بالفعل ولكن دون أن يرافقهم أحد، يصلون للصدارة ويفوزون، غير أنهم يعيشون وحيدين، لا يشاركهم الفرح أحد. إنهم يفتقدون الدعم والمشاركة، وقد يفتقدون العفوية وبساطة العيش.
اغتنام الفرص
الناجحون يلتقطون الفرص فور بزوغها، لا يترددون ولا يتثاقلون، يفعلون ما يتسم به الباشق تمامًا؛ يحدد الهدف وينقض كالرِّمية في لمح البصر، لحظة واحدة، وإذا بالفريسة بين مخالبه بكل ثبات ورشاقة. غير أن هذا الاستعجال قد يحرمهم من فرائس أفضل لو تحلّوا ببعض الصبر والتريث.
العمل في صمت
كثيرًا ما يسبح الباشق في قلب السماء دون أن يراه أحد، يتجنب البروز، ويحلق في نقطة بعيدة عن الأضواء. يمتلك مهارة التخفي باقتدار، وفي لحظة قرار تنبثق المخالب وتنغرز في الفريسة دون أن يشعر به أحد. هكذا هم الناجحون؛ يعملون بصمت، ينجزون المهام دون صخب أو ضجيج، وفي ساعةٍ ما تظهر المفاجأة. غير أن البعض قد يُسيء الفهم، ويرى ذلك الابتعاد غرورًا وترفعًا، وما هو إلا مخاض.
التمسك بالأهداف
يتفوق مخلب الباز الأوراسي (الباشق) على مخلب الصقر بمراحل؛ فهو قوي، معدّ للتمزيق بإتقان، يمتلك فاعلية تامة في الاقتناص، ولديه قوة قبض فائقة. فهل سيترك فريسته بسهولة؟
الباشق لا يدع فريسته، حتى لو سقط معها. هكذا هم الناجحون؛ لا يتخلون عن أهدافهم حتى لو شكّلت لهم عبئًا، يتمسّكون وكأنّ الأمر حرب وجود، حتى لو تبيّن لبعضهم الخطأ أو الخروج عن إطار المصلحة.
التكيف مع الظروف
جناح الباشق قصير عريض، مصمم للمناورة في الأماكن الضيقة، ما يجعله متكيفًا مع البيئات المختلفة. كذلك الناجحون؛ يتأقلمون مع التغيرات ويواجهون التحديات بمرونة، غير أنّ هذا التكيف قد يبعدهم أحيانًا عن مسارهم الأصلي، وقد يفقدون هويتهم في التكيف الجديد.
ومن تكيّفه أيضًا تغيير مساراته بما يتوافق مع اتجاه الريح. والناجح لا يدخل معركة دون حساب المعطيات ودراسة الإمكانات، لكنه إن بالغ في التكيف قد يبتلع ملامحه، وينسى مشيته الأولى، ويتخطى حدود مبادئه التي كان معروفًا بها قبل النجاح.
الانغماس في الهدف
يمتلك الباشق عيونًا حادة؛ إذا نظر اخترق الأغوار وكشف الأسرار، لا يشتت انتباهه، يركّز على طريدته حتى ينالها. تراه بحق أعمى عمّا سواها حتى يظفر بها. كذلك الناجحون؛ يكرسون أوقاتهم وجهدهم لتحقيق أهدافهم، ما يضيّع عليهم جوانب أخرى من حياتهم كالراحة والعلاقات. فلكل نجاح ضريبة، يدفعها من حياته وحياة المحيطين به، وقد يغريه مجده الجديد فينسى تاريخه.
الصبر والإصرار
لا يستسلم الباشق بسهولة، فالتوقف عنده تراجع. وهذا ديدن الناجحين؛ لا ييأسون رغم العقبات. غير أن هذا الإصرار قد يولد ضغوطًا نفسية، وقد يدركون متأخرين أنهم خسروا من كان معهم في الطريق، فمن يروم القمة لا ينظر لمن هم في السفح.
الإنجاز دون ضوضاء
يمتاز الباشق بالطيران الصامت، ينجز مهامه دون أن يلفت الانتباه. هكذا أولئك الذين يحققون إنجازاتهم دون تباهٍ أو استعراض.
قد لا يُقدَّر صمتهم، لكن المنجز يظل منجزًا، وإن لم يحظَ بالتصفيق المستحق.
حماية المنجزات
في موسم التكاثر، يحمي الباشق منطقته بحذر. كذلك الناجحون؛ يحافظون على ما حققوه، غير أن الانشغال بحماية الماضي قد يؤخر ولادة الجديد.
التجدد والتطور
يفقد الباشق بعض ريشه، لكن ريشًا أقوى يحل محله. هكذا التجدد في حياة الناجحين؛ قد يكون مؤلمًا، لكنه بداية القفزة القادمة. ليس كل فقدٍ خسارة، بل قد يكون بشارة. الباشق يعلّمنا أن النجاح ليس مجرد صعود، بل توازن بين القوة والضعف، بين الاستقلال والمشاركة، بين الإنجاز والراحة.
في الختام:
حينما يتساقط ريش الباشق يواجه تحديًا، وقد يتوارى، لا ضعفًا بل استعدادًا. فالمواسم تتبدل لتنضج أصحابها، وهكذا هم الناجحون؛ إن تعثروا عادوا، وإذا عادوا أدهشوا العيون.
عبدالعزيز آل زايد
الأحد، 4 يناير 2026
حوار عن كتاب الحنين إلى مكة
الاشتياق الذي يفضحه الحنين حوارية كتاب الحنين إلى مكة مع الأديب الحاج عبدالعزيز آل زايد
حوار: آمنة أحمد
نرحّب اليوم بالأديب والكاتب الأستاذ عبدالعزيز آل زايد في هذه الحوارية الخاصة، حيث نقترب من تجربته الروحية والإنسانية التي جمعها في كتابه الجديد الحنين إلى مكة، الصادر عن دار صاد الجزائرية. في هذا الكتاب، يدوّن الكاتب خلاصة رحلته الممتدة عبر إحدى عشرة حجة، بسطور تنبض بالشوق وتفيض بالذكريات الممزوجة بالعبرة والدهشة. أهلاً وسهلاً بك أستاذ عبدالعزيز، ونبدأ معك هذا الحوار.
🕋🕋🕋🕋
س١: كيف وُلدت فكرة هذا الكتاب، ومتى شعرت أن الحنين إلى مكة يستحق أن يُكتب، وما هي شرارة الانبثاق؟
ج١: في البداية كانت لنا مذكرة نسجّل فيها بعض السطور، ولكن مع توالي الأيام تلاشت عادة التسجيل، ولم يخطر في بالي أن أكتب كتابًا عن رحلات الحج رغم توالي السفرات، حتى طالعت كتبًا ممّن سجّل تجربته في ديار الحجاز. هنا وُلدت الفكرة، حيث كانت لدي تجربة تستحق أن تُروى وتُقيّد، ولأسباب عديدة اقتصرت على إخراج الكتاب بهذه الكيفية التي خرجت باسم سيرة روائية، حيث كنت بطل الأحداث وعمودها الفقري. ربما هذه هي الشرارة، لكنني أؤمن أنّ الله إذا أراد شيئًا مهّد له سُبله وسهّل إليه طريقه، فكان الحنين إلى مكة حجًّا على قرطاس في موسم تحجّ فيه الناس إلى الديار المقدسة.
س٢: ما هي العناصر الفريدة التي تميز بها كتابك عن غيره من الكتب في أدب الرحلات الدينية؟
ج٢: أولًا: هل كتابي مميز؟ في اعتقادي نعم هو كذلك. لماذا؟ لأنه تجربة إنسان عاش في الحج أحد عشر عامًا، ومن يحجّ يتلوّن بألوان الحج، فكيف إذا كان مدمنًا عليه؟ هذا الكتاب حكاية رحلة وسيرة ذاتية تسرد بأسلوب ماتع رشيق، ينقل تجربة لمن لم يحج، وتذكرة لمن حج. هذا الكتاب مسّ من الشوق، لا أتعجب إن هفا قلب قارئه إلى تلك الديار. الكاتب روائي حصد جائزة الإبداع في الرواية، لذا سيلمس القارئ ريشة روائي تتنفس بين السطور، وسيعيش تجربة حقيقية كأنه يسير مع الحجاج. سيلمس القارئ حنين متيّم وتشوق مشتاق، ثم هناك نفس إيماني روحي سيتذوّقه القارئ كأنه لتوّه عاد من قافلة حج. مغامرات وحكايات قُيّدت بين دفتي الكتاب، سيختمها القارئ ويشتاق لرحلة من ذات المذاق.
س٣: لو خُيّرت أن تهدي هذا الكتاب لشخص واحد في التاريخ، لمن سيكون؟ ولماذا؟
ج٣: ليس من عوائدي تأطير الإهداءات لأشخاص محددين إلا نادرًا، ولو ارتأيتُ تخيير الإهداء لشخص واحد لاخترتُ سيدنا إبراهيم (عليه السلام) لأنه سيّد الحجاج، وما أفعال الحج إلا جزء من سيرته المباركة. إبراهيم (عليه السلام) هو الرمز الأكبر لرحلة الحج، وهو أمير الحجاج وقائدهم، وينبغي لكل حاج أن يقرأ سيرته ويتحلّى بأخلاقه، لا في أفعال الحج فقط، بل في سائر سيرته وحياته. ولن يخيب من كان له إبراهيم قدوة وأسوة.
س٤: ما اللحظة الأكثر حضورًا في قلبك، والتي كلما قرأت الكتاب عدت تعيشها بذات الوجد؟
ج٤: كل أجزاء الحج كتلة من نور، ولكل لقطة شعاع؛ فلبس الإحرام له معنى، التلبية لها جرس، السير إلى مكة له مذاق، مشاهدة الكعبة لها شوق، ماء زمزم له طَعم، المناجاة فوق جبل الرحمة في عرفات لها وجد. هي سيمفونية متكاملة، كل لقطة لها وهج يعرفها المدمن، حتى المبيت في مزدلفة والسير إلى منى. الحج مدرسة متكاملة، في كل عام هناك لقطات، وتختلف تلك اللقطات باختلاف المواسم، وسيلمس القارئ ذلك الوجد في ثنايا السطور. فمن يحجّ تلمع في ذهنه لقطة ما، وبعد العودة للحج ستلمع أخرى، وهكذا تتلوّن الأنوار من عام لآخر.
س٥: ما أبرز تحوّلاتك الروحية خلال سنوات حجك؟
ج٥: أنا أعتقد أنّ الإنسان يتشكّل ويتحوّل من عام لآخر، قد لا نشهد اختلافًا كثيرًا في المظهر، لكن في العمق والجوهر هناك اختلافات كبيرة يمر بها الإنسان. فهل للحج أثر في التحوّلات الروحية؟ بلا شك. هناك نماء روحي كبير؛ اقترب من حاج لتوّه عاد من حجّه، ستُدرك أنّ في روحه طُهرًا جديدًا، وتألقًا خاصًا، ونورًا داخليًا تُدركه الأرواح الباصرة. ففي كل عام تزداد تلك الإضافات النورانية في قلب كل من يحجّ، لهذا يحرص البعض أن لا يقطع سلسلة الإدمان، فهو يُدرك قبل غيره الآثار والبركات التي قطفها من أيام الحج، لهذا يعود ويعود. إنّ أبرز تحوّل في الحاج هو الطهر والنقاء، سلامة الصدر والتعلّق بالخالق الكريم. من تعلّق بأستار الكعبة لا يعود خالي الوفاض، ومن تكحّل بأنوار الكعبة سيزداد بهاءً. قراءة القرآن، المناجاة، الطواف، الصلاة، المناسك، كلها مفاتيح تساهم في ذلك التحوّل الروحي الكبير. بلا ريب هناك فرق بين من حجّ ومن لم يحجّ، لهذا من أراد التألق الروحي فليذهب للحج وليختبر آثاره عليه ليدرك القيمة.
س٦: كيف وازنت بين الواقع والخيال في تقديم تجربة الحج؟
ج٦: من الصعب أن نحفظ جميع لقطات رحلة الحج، ولهذا وعلى الغلاف سطّرت عبارة: “ألبومات ما علِق في الذاكرة”. الذاكرة تخون، ومن عادة البشر النسيان. لهذا بعض من كتب عن الحج كان يسجّل سيرته بالكتابة. ومن الطريف أنّ بعضهم سجّل كل شيء، لكن الله قدّر أن تُسرق هذه الكتابات كما حدث للشيخ الطنطاوي (عليه الرحمة). فكيف نوازن بين الواقع والخيال؟ باختصار: نحن نعتمد السرد الواقعي، وما غاب عن الذاكرة أكملنا فجواته ببعض الخيال المقبول الذي لا يخدش المصداقية. وهنا دعوة لكل من يريد كتابة سيرته أن يعجّل قبل ورود النسيان، وقبل أن تتبخّر الذكريات، فإنّ للأيام غوائل، فاستبق قبل أن تُستبق.
س٧: ما هي أبرز جوانب “التسلية والفائدة” في الكتاب؟ وكيف نقلت للقارئ شوقك إلى مكة؟
ج٧: هذا الكتاب سيرة روائية، ومن طبيعة السرد الروائي أن يجمع بين المتعة والتسلية، وبما أنها عن الحج فلا ريب أن للكتاب فوائد. لقد طعّمنا الكتاب ببعض المعلومات القيّمة ليخرج القارئ بقبسات معلوماتية عن مكة وعن الحج، فالكتاب رفيق مناسب للحاج والمعتمر، لكونه يُسلي ويُضيف بطريقة قصصية مؤنسة. فهل تعمّدتُ تشويق القراء لمكة؟ عنوان الكتاب يرتكز على كلمة (الحنين)، وهي كلمة فاضحة للشوق الكبير الذي يعتمل، وحتمًا سينجرف القارئ ويتأثر من كلمات هذا المشتاق. إنني أنادي على أمي كلما رأيت الكعبة وأقول لها في وجد: “تعالي يا أمّاه فالكعبة الآن أمامي”. كيف لا يشتاق من وقع في لغم الاشتياق؟ إنّ الاشتياق إذا زاد ألهب؛ فليحذر من ينوي قراءة الكتاب إن لم يقطع تذكرة إلى مكة.
الأربعاء، 19 نوفمبر 2025
حافر الزعفران
حافر الزعفران.. حين يخطّ الجَمال أثره في القلوب
صدر حديثًا عن دار زحمة كُتّاب للنشر والتوزيع رواية "حافر الزعفران" للروائي السعودي عبدالعزيز آل زايد، وهو عملٌ أدبيٌّ يتوغّل في العوالم الروحية عبر رموز الجمال والطهر، حيث يمتزج الوجدان بعبق الزعفران، وتتحوّل الخطى إلى قصائد من نور.
على ضفاف الفرات، حيث تتعانق الحكاية بالعطر وتغتسل الأرواح ببهاء الشرق، تولد رواية تأخذ القارئ إلى عوالم من السحر والجمال والدهشة التي لا تنقضي.
"حافر الزعفران" ليست مجرّد رواية، بل سِفرٌ من النور والذاكرة، تروي سيرة الجمال حين يُبتلى بالأنظار، وسيرة الطهر حين يُمتحن بالعاطفة والمخاطرة.
رواية تفيض بالشجن والبطولة، وتجمع بين نقاء اللغة ووهج الأسطورة، حيث يمتزج الواقع بالحلم، وتُختبر القلوب في امتحان الجمال والمروءة. كل مشهدٍ فيها نفحةُ زعفرانٍ على ورق الذاكرة، وكل سطرٍ نهرٌ من الشوق يجري نحو القلب.
من اقتباسات الرواية:
"لم يُعطَ أحد من الحُسْن كما أُعطي، وكأنه وارث يوسف بن يعقوب".
"احتوَوا ياقوت وزمرد تسعةُ ذئابٍ رماديةٍ مفترسة، تريد أن تشبع من اللحم وترتوي من الدم".
"هجم ذئب على وجه زمرد، فتناول كاتمُ السر شعلةَ النار…".
"حافر الزعفران" عبقُ الشرق وسحرُ الحكاية على ضفاف الفرات.
نبذة عن المؤلف:
عبدالعزيز آل زايد، كاتب وروائي سعودي، وُلِد عام 1979م في مدينة الدمام. يهتم بالسرديات التاريخية ذات الأبعاد الروحية والرمزية، ويعمل معلمًا في إدارة التعليم بالمنطقة الشرقية. أصدر أكثر من ٢٠ مؤلفًا في الأدب والفكر والنقد والثقافة، وله مقالات منشورة في عدد من الصحف والمنصات الأدبية، ويُعد من الأصوات السردية البارزة في المشهد الخليجي المعاصر.
حاز جائزة ناجي نعمان الأدبية في بيروت عام 2020م، ونال لقب "سفير الثقافة بالمجان" عام 2022م تقديرًا لإسهاماته في نشر الوعي الأدبي والثقافي. يقول الكاتب عن نفسه: "عشقي الكتابة ونفسي الشعر، أبعثر الحروف فيكتمل السرد، ومع كل ذلك أبقى أحمل بيرقًا مشتعلًا لإنارة الجيل الصاعد، أليس المعلم يوشك أن يكون نبيًا ورسولًا؟".

