الجمعة، 25 ديسمبر 2020

مصر علمتني

 




 


أنا لست مصريًا ولا من سكان ديار أرض الكنانة؛ لكني سكنت في صفحات كتاب أدبائها وكتابها وتنقلت بين أزقة السطور وأغلفة الكتب التي نسجها عبقري مصري أو دوّنها أديب يشار له بالبنان والصيت، الصيت الذي لا يعني شيئًا في قبالة الموهبة التي تتحرك بين الأنامل.


لم أشرب من نهر نيلها ولم أرتشف من عذب مياهها لكنني أرتوي من مداد المبدعين فيها وأقتفي خطو المهرة من سدنة كاتبيها، وإنه ليحلو لي أن أكتب كتابًا عن كتّاب مصر، أدوّن في غلافه (مصر علمتني)، لم أتعلم في مدارس مصر ولا في جامعاتها، إنما أتعلم من عمالقة المفكرين المصريين كيف أمتشق القلم؟، وأرشق بوابل الكلمات سطور الصفحات.


مصر علمتني أن أغدو أديبًا كأدبائها وأن أشق طريقًا بين جبال الكتب وأطنان المسودات، مصر علمتني أن أشق بأنهار الحبر الصفحات البيضاء لتنبت الأزاهير والأشجار والبلح على الضفاف، مصر علمتني أن أقف أمام الريح والشلال، أن أثبت كالأهرام وأربض كأبي الهول على مرور الأزمان، أن أبني مجدًا كأمجاد الفراعنة الذي لا يمكن أن ينسى أو يجحف.


تعلمت من مصر عبر أقلام أبنائها العقاد والمازني ومحفوظ وطه حسين وأحمد شوقي وتطول قائمة الأسماء والأبناء، تعلمت من مصر  عبر صفحات المؤلفين والمحررين والكتّاب أن أحمل المسؤولية والأمانة وأن أخلق السعادة والمتعة للجيل الجديد.


لن أقول تعلمت فأنا لا أزال أتعلم من مصر ، وكل المتعلمين تنتهي فصول دراستهم إلا المتعلمين من مصر، فإن أبناءها يكبرون ويصبحوا أساتذة وعباقرة ومع كل ذلك يظلون متتلمذين على أيدي مصر كل شروق شمس وكل لحظة غروب.


تعلمت من مصر أن أشق الطريق رغم المعاناة، تعلمت منها أن أستمر وأن لا أكل ولا أسأم حتى الرمق الأخير، فأنا إن لم أكن مصريًا فأنا من عشاقها وأبنائها الذين لم يخرجو من بطنها إنما تربيت على يدها التي تمتد للبعيد، أليس من البر أن يبر الواحد بأم أنجبته؟، وأم سعت في تربيته حتى أشتد العود وبزغ منه الثمر؟، مصر التي عشقت ستبقى خالدة تتغنى بها الأجيال والأحقاب، مصر التي عشقت ستظل ملهمة لكل المبدعين.

الأحد، 1 نوفمبر 2020

جائزة البوكر تكشف الإبداع




لا بدّ في البداية أن نشير إلى أنّ الجائزة العالميّة للرّواية العربيّة «IPAF» لا علاقة لها بجائزة مان بوكر البريطانيّة للرّواية «Booker Prize»، ولا ندري كيف تسلل للنّاس هذا الخطأ المُشاع؟، هل لكون البوكر البريطانيّة تدعم هذه الجائزة الإماراتيّة التّي تستقر في أبوظبي؟، أم لأنّها توازي البوكر البريطانيّة في نظر الرّوائي العربيّ؟، أم أنّه الخطأ الذّي استلطفه النّاس وسارت التّسمية وفق ما يستراحُ له؟، من المعروف أنّ الاسم الطّويل غير محبب، لهذا استقرت التّسمية على البوكر حتّى في الأوساط الأدبيّة المثقفة، خاصّة وأنّ الجائزة العربيّة تتلقى توجيهات من قبل مؤسّسة جائزة بوكر، وهو الأمر الذّي يعزز هذا التّورط المستطاب من قبل الكثير.

في هذه الأسطر نرغب في الحديث عن هذه الجائزة رغم أنّ بعض الأحبّة الأدباء فضلوا الانسحاب من الجوائز الإماراتيّة لأسباب سياسيّة معروفة لسنا في صدد الحديث عنها، فما يهمنا في هذه السّطور هو الحديث عن الرّوائي العربيّ المبدع، فالاحتفاء به من الفرائض الثّقافيّة والأدبيّة، وهذه الجائزة العريقة أحد أدوات الكشف عن مواضع القوة والتّألق الإبداعيّ.

يستاء البعض من النّتائج ويزهو ويفرح آخرون، ما يهم هو أنّ هذه الجائزة استطاعت الكشف عن جملة من الرّوايات التّي تستحق التّصفيق لإبداع أصحابها، فلماذا لا تحتفي الدّول الفائزة العشر بهذا الإبداع المنجز بطريقة جماهيريّة كفوز المنتخبات الرّياضيّة؟


الدّول البوكريّة الفائزة:

يجهل الكثير منا أسماء الدّول الفائزة بالوكر العربيّة، ولا يعرف عدد الرّوايات البوكريّة التّي فاز بها بلده فضلًا عن غير من الدّول، وهنا نضع الدّول البوكريّة منذ لحظة تدشين الجائزة وعدد رواياتها.

1/ مصر: وفازت بروايتين، هما: رواية عزازيل وواحة الغروب.

2/ السّعوديّة: وفازت بثلاث روايات، هي: ترمي بشرر، طوق الحمام، موت صغير.

3/ المغرب: فازت برواية واحدة هي: رواية القوس والفراشة.

4/ لبنان: فازت بروايتين هما: رواية دروز بلغراد، وبريد اللّيل.

5/ الكويت: فازت برواية واحدة وهي: ساق البامبو.

6/ العراق: فازت برواية واحدة وهي: رواية فرانكشتان في بغداد.

7/ تونس: فازت برواية واحدة وهي: رواية الطّلياني.

8/ فلسطين: فازت برواية واحدة وهي: مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنّكبة.

9/ الأردن: فازت برواية واحدة وهي: رواية حرب الكلب الثّانية.

10/ الجزائر: فازت برواية واحدة وهي: الدّيوان الإسبرطي

من يحتار في أيّ رواية عليه الاطلاع عليها وقراءتها، نقول له: اختر بطريقة عشوائيّة أيّ رواية من الرّوايات أعلاه وابدأ في القراءة، سترى أنّ الإبداع يتكلم، وأنّ خلف السّطور أعين ساهرة وأيدي مخلصة محترفة في السّرد، بهؤلاء الكتّاب والرّوائيين ستتقدم أمتنا ونتوقع منهم المزيد، فمن هم؟


الرّواة البوكريون:

إننا نحتاج للعديد من الصّفحات للحديث عن الفرد الواحد من هؤلاء المحلّقين، وهم حتّى اللّحظة أربعة عشر مبدعًا: بهاء طاهر، يوسف زيدان، عبده خال، رجاء عالم، محمد الأشعري، ربيع جابر، سعود السّنعوسي، أحمد سعداوي، شكري المبخوت، ربعي المدهون، محمد علوان، إبراهيم نصر الله، هدى بركات، عبدالوهاب عيساوي.

بهؤلاء وأمثالهم سترى الرّواية العربيّة المعاصرة مجدها وتألقها، فلماذا لا تُكَرّم أمتنا هؤلاء؟، وتضعهم في مناصبهم الصّحيحة، إنّهم أصحاب خبرات حقيقيّة، من المهم أن تُنْقل تجاربهم للجيل الصّاعد، الذّي سيقفز عدة قفزات حين نرى من أدبائنا النّظرة الفاعلة لمستقبل الأدب بشكل عام والرّواية العربيّة بشكل أخص.

في الختام لا نريد بخس مبدعين آخرين، يستحقون الثّناء وأنا واثق أنّهَم لا يقلون مكانة عن هؤلاء الصّفوة، فوصول الرّواية للقائمة القصير أو الطّويلة تكشف عن تميز أصحابها، وسنشهد في الأعوام المقبلة سجالًا أدبيًّا قويًا، سواء في هذه الجائزة أو غيرها، وهذا ما يدفع بالقلم المبدع للتّسيد العالميّ، وسيرى العالم بأسره إبداع الأخوة العرب بعد اخلاص التّرجمات لبقية لغات العالم.


المصدر: صحيفة جهينة الإخبارية

‏http://juhaina.in/?act=artc&id=71816

الأحد، 25 أكتوبر 2020

العتبة الأولى لانطلاقتي الأدبيّة

 

 

“عبد العزيز آل زايد”جائزة ناجي نعمان هي العتبة الأولى لانطلاقتي الأدبيّة


حاورته/ لطيفة القاضي



ويتجدد اللقاء مع الكاتب الروائي عبد العزيز آل زايد لاستكمال الجزء الأول من الحوار لأتعمق في الأسئلة أكثر للتعرف على الإبداع والموهبة المثقولة بعد حصوله على جائزة ناجي نعمان للأديب و الروائي عبد العزيز آل زايد.

فأهلا بكم

-كيف توفِّق بين وظيفتكَ الأكاديمية كمعلم، وعملكَ الإبداعي الكتابي الروائي؟


التّحصيل الأكاديمي بوابة الإبداع، ثُمّ يأتي دور القفزة بالعمل الدّؤوب، والتّوفيق بين أيّ شيء متأتي لمن أراد، كلّ موظف له ساعات سكن وأيام راحة، وساعات استراحتي أمنحها للقراء، فأنا بُندُقيّة صيد ذات فوهتين، كالرّوميّة المحشوة بالبارود، فوة تعمل في الصّباح وأخرى تمنح في المساء، فإذا جَنّ عليّ اللّيل وجاء وقت النّوم أكون أسعد من في الأرض، ليس لأني أستريح من الأعباء والمشقات، بل لأني منحت ما لدي من الشّروق حَتّى آخر رمق.

-أين يجد الكاتب الروائي عبد العزيز آل زايد نفسه أكثر: في الرواية؟، أم في المقال؟


في مطلع البدايات كتبتُ المقالة والقِصّة القصيرة، وحين تشبّع الحبر بالاتساع سحبتني الرّواية لأروقتها وانسكب السّرد بجنون، بالكاد أجد وقتًا لأمتع القراء بما يريدون، حيث عتب عليّ صديق حين منحت جائزة الإبداع، وقال: “إننا ننتظر منك كتابًا لا رواية !!”، أتمنى أن أمنح جميع الرّغبات إلا أن الأدبيات تتوغل فيّ بعمق وجائزة ناجي نعمان هي العتبة الأولى لانطلاقتي الأدبيّة، لذا أقول أني روائي وكاتب، لا كما وصفتُ في السّؤال أعلاه، رغم أن القراء لم يقرأوا لي رواية حتّى اللّحظة، وهذا يعني أني في نظر الجمهور كاتب قبل أيّ شيء، وأنا اترقب صدور رواياتي لأترك للقراء الحكم والإجابة على السّؤال.


-ما هي طقوسكم في الكتابة؟ وطريقتكم في جمع المصادر؟ وكيف توفقون بين الحياة الأسرية والتأليف؟


الهدوء هو ما احتاجه لصناعة أيّ سطر، فأنا أعشق الخلوة والوحدة، وأتمنى الصّعود للقمر لأبتعد عن ضوضاء أهل الأرض، أما المصادر التّي أعتمدها ذابحة وتقتل فيّ كلّ خلايا البدن، لا سيما إذا كانت شخصيتي الرّوائية تاريخيّة متخيلة، ثم أنّ القارئ الذّي يجلب له قدح الشّاي ويحتسي فنجان القهوة باستمرار لا يدرك عادةً المعاناة التّي يرصف بها الرّوائي الصّفحة الواحدة من روايته، حَتّى تلك الرّواية المتخيلة ترهق صاحبها حَتّى لحظة الانهاك. إنّ أغلب مصادرنا متاحة اليوم فعشرات الكتب تصل بكبسة زر على الشّبكة العنكبوتيّة، وهذا يعني أن الرّواية مدعمة بالكثير من المعلومات الموثقة من مصادر معتمدة إلا أنّ العادة جرت أن لا يُسْتَشهد بالمصادر في متون الرّوايات وأظنّها بالنّسبة لي مسألة ذوقيّة يراها البعض ويخالفها آخر.

الأسرة والتّأليف يؤثر الواحد في الآخر، فإذا منحت الوقت للأسرة اشتكى المارد الأزرق الذّي يسكنني بأنّي لم أُوَفّيه حقه ويتظلم ويرفع دعواه لخالق السّماء حَتّى أنصفه حقه وأمارس الكتابة، وإذا أسهبت واستبد بي الجانّ الموكل بكتابة الرّوايات والذّي أزعم أنّه أكثر شراسة من الجانّ الموكل بكتابة الشّعر، تضج الأسرة بي وتراني كلوح خشب أخرق لا حياة فيه ولا روح، فتبدأ المكيدة لاجتذابي سواءً بإعداد وجبه شَهيّة أو مقلب دراماتيكيّ تستوفي به مني حقها، وأظل هكذا بين أمواج الكتابة وحقوق الأسرة، أما المجتمع الذّي كنتُ أسرح في باحته لا يرى مني غير السّطور، فإذا دخل في المضمار أيّ طرف ثالث فأعرف أنّ الجانّ الذّي يسكنني سيمارس سحره الأسود ويرمي بلعنته على الجميع.

-أسلوبك في الكتابة يشد القارئ من بداية العمل إلى آخره، وتستخدم وسائل اقناع متدرجة ومتنوعة داخل أعمالك، ألم تفكر في استثمار أسلوبكم المثير هذا في كتابة أعمال روائية على شاكلة شفرة دافنشي وعزازيل وملك الخواتم مثلاً، أعتقد أن مثل هذه الأعمال تصل إلى قلوب الشباب بطريقة أسرع كما أنه يمكنك نقل رسالتك من خلالها؟


شكرًا على هذا الإطراء الذّي نحتاجه لتسويق رواياتنا المقبلة، ولعلّ شركائي الحاليين والمقبلين سيسعدون بهذا المديح، نعم أنا من قراء شفرة دافنشي ورواية عزازيل وملك الخواتم ضمن القائمة، أرى أن روايتنا الفائزة بجائزة الإبداع (الأمل الأبيض)، فيها هذا التّشويق، إلا أني أعتذر للقراء ضعاف القلوب عن هذه الرّواية التّي تصنف ضمن روايات الرّعب، رغم أني سعيتُ جاهدًا أن أخفف وطأة الجانّ الذّي يركل في عقلي، حَتّى لا يشطبني القارئ من قائمته، لديّ موهبة السّرد المرعب، لكني أتمنى أن لا أتورط به كما تورط به غيري، والسّبب أني لا أرغب في أرق أناس طيبين يقرأون لنا بحسن نيّة، أتفق معكم فيما ذكرتموه لهذا توجهتُ لكتابة الرّواية، إلا أنّ ما ينقصنا نحن الرّوائيين هو التّفرغ التّام لتقديم روايات يشار لها بالنّجوميّة والإتقان.


-ما هي معايير نجاح الكاتب بنظرك؟


الشّهرة ليست دليل نجاح، وركام المؤلفات قد تكون زبدًا، والجوائز قد يدخلها المحاباة، فما هو مقياس النّجاح؟، في كلمة واحدة المقياس هو الجودة، فهناك كاتب موهوب، والموهبة وحدها لا تكفي، فالكتابة النّاجحة تحتاج إلى العمل الجاد والمتفاني والإخلاص في العمل، الكتابة كالبناء، والسّطور كالقلعة، بالتّمعن والقراءة الحصيفة ندرك من هو الكاتب النّاجح الذّي يُحَلّق بالإبداع، فما هي صفاته؟، هو من يقدم جديدًا لقرائه، من يمتلك موهبة الجذب حَتّى آخر نفس، هو ذلك الماهر الذّي يمسكك من تلابيبك ولا يدعك حَتّى يفرغ فيك كلّ سطوره وأنت مأخوذ بما لديه، ذلك هو الكاتب الذّي يستحق الوصف بالنّجاح.

-وما رأيك في الرواية العربية، وهل تعتقد أنها وصلت إلى العالمية؟


الجسر عُلْق بين الضّفتين، وبلغت الرّواية العربيّة المعاصرة منزلتها العالميّة، يكفي أنّ العرب أنجبت قامة مثل نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل، ولا غرو أنّه ليس الرّوائي اليتيم الذّي تفرد وأبدع في الرّواية العربيّة المعاصرة، فما هو رأينا فيها؟، هل كانت القداحة أصيلة؟، أم أنّ الظِّلال العربيّة مستوحاة من الأدب الغربيّ؟، ليس عيبًا أن ننقل التّجارب النّاجحة لأوطاننا، وهذا ما فعله الرّعيل الأول من الأدباء العرب، الحقيقة واضحة أنّ الرّواية العربيّة متأثرة بالرّواية الغربيّة، سواء قلنا أنّهَا غربيّة الشّكل عربيّة المضمون والمحتوى، أو قلنا أنّ الرّواية فَنّ أبدعه الغرب وتقمصه الشّرق، فما هو فخر العرب؟

نقول أنّه صحيح أنّ البداية تاريخ ولا يمكن نكرانه، لكنّ الاعتبار بالنّهايات لا بالتّغنّي ببدايات السّلف الغربيّ، فهل ظلّ العرب يجترون جواهر الغرب؟، أمثال ما أحدثه الطّهطاويّ والمنفلوطيّ وسواهم، الحقيقة التّي لا غبار عليها أنّ الرّوائيين المعاصرين العرب تجاوزوا لثغة الببغاء ورصفوا بكلماتهم روايات الإبداع، ولعلّنا نشهد يومًا ما انعكاس ضوء القمر في المرآة، فالرّواية العربيّة بدأتْ طفلًا يُقلّد الكبار في المشي، إلا أنّ فترة الطّفولة انتهت وبدأت تتخطى العقبات وتتمسك بالجذور وتنطلق بالتّفرد في رحاب فسيح.

– ما الذي ينتظره المجتمع من الكاتب الروائي عبد العزيز آل زايد؟


وما ينتظر المجتمع غير ابتلاع حفنة الرّوايات والتهام دستة المقالات، أظنّ أنّ الرّوائي اليوم مُطَالب بأدوار أكبر، فإذا تحدثتُ نيابة عن المجتمع فسأطالب الكتّاب والرّوائيين أن ينقلوا تجاربهم إلى الجيل الآتي، بل أن يوصلوا الموهبة إلى سقف لم يصلوا إليه بعد، لكنّ المجتمع يحتاج إلى قفزة واعية بالمطالبة، بل إننا نرى أنّ الحكومات العربيّة معنيّة بتفريغ الموهوبين والمبدعين ليس لتقديم بضاعة مزجاة من مشروع كتاب – الفكرة التّي نادى بها وزير الثّقافة السّعودي-، إنّ المطلوب تفريق المبدع طيلة أيام حياته لنقل العربة الإبداعيّة للجيل الجديد، حتّى نساهم في ازدهار الأوطان، فماذا تبقى من عمر الأدباء؟

هذه الفكرة لستُ أنا المعنيّ الوحيد بتدشينها فالجوقة يجب أن يساهم في تشكيلها الجميع، لهذا أنا من ينتظر من المجتمع أن يقف ويطالب بحقه، ونحن كذلك نطالب المؤسّسات الثّقافيّة أن تقوم بأدوارها الحقيقية وأن لا تقصر على الزّخرفة الإعلاميّة، فالجيل الصّاعد لديه من المؤهلات ما أعرفها لكوني معلمًا وقارئًا وأديبًا، إنّ في صدور الشّباب هالة تميز، فمن يحتضنها؟، إنّ المشاريع تحتاج لنار تَنْضيج وحركة دؤوبة فاعلة، وأملنا في الخير كبير.

-هل تؤمن بحرية المرأة واستقلالها؟


أظنّ أنّ المرأة بدأت تخطوا خطواتها نحو حريتها واستقلالها، بيد أنّ ما يحزنني كثيرًا أني أرى الجنس اللّطيف يسير وفق اتجاهات محدودة وأنا أعلم أنّ في الجعبة الشّيء الكثير، أنا ألمس أنّ المرأة لا تزال تستند إلى الحائط والرّجل، رغم محاولات الخروج من عنق الزّجاجة، أنا مع حرية المرأة لكن المطالبة بالحق تبدأ من الذّات، وهي المعنيّة بهذه المطالبة، ونتساءل: هل تسلمت المرأة مناصبها الحقيقية بالفعل؟ أم أنّ تسلمها لا يزال خجولًا وفي الطّور الأول؟، ويحتاج إلى المزيد من الإنعاش.

وعلى الصّعيد الأدبيّ والثّقافيّ نتساءل: لماذا يقل عدد الكاتبات بالمقارنة مع عدد الكتّاب؟، هل خلقت المرأة للمطبخ ورعاية الأسرة فقط؟، أم أننا ننتظر من شقائق الرّجال أن ينالوا حصتهنرض الطّبيعية، هذا الزّمن أمسى مُواتيًا للمرأة أن تقطف استقلالها وتنطلق بالعطاء، المرأة لا تزال تعاني في مجتمعاتنا، رغم الصّحوة الحديثة، فماذا سيحدث إذا تسيّد الرّجل واستأثر بالمناصب؟، إنّه الرّوتين المألوف، فإذا أردنا أن نعرف هل نالت المرأة نصيبها من التّمكين والحرية والاستقلال؟، سنرى التّغير والقفزة المرجوة، حينها سنقول أنّ المرأة بلغت حريتها واستقلالها الحقيقي لا الوهمي الذّي لا يزال يتطلع لغد مشرق.



-ما هو رأيك، في الحب بشكل عام؟، والحب والصداقة والزواج عبر شبكات التواصل الاجتماعي؟


رغم أني رجل إلا أني أعيش المحبّة بكلّ فصولها، يظنّ الكثير أنّ الرّجل مخلوق من بلاستيك أو خشب أو من مادة لا طعم لها ولا رائحة، فالعواطف ليستْ مُخْتَصّة بالمرأة وحدها، وهذا تعبير خاطئ ولا صحة له، فالرّجل يحمل من العاطفة ما قد يفوق المرأة، أليس هو الأب الذّي يعطف على أبنائه وزوجته وأمه وسائر من هم حوله؟، إنّه الحبّ ولا شيء غيره.

قد لا يقول الرّجل كلمة (أحبّك)، لكنّه يحول هذه الحروف إلى باقاتٍ مُزَيّنةٍ بالتّضحية والعمل والإخلاص والتّفاني، فالدّين في الإسلام هو الحُبّ، وفي المسيحيّة محبّة، وكلّ من هو سوي ينادي بنشرها في ربوع الأرض، أما بالنّسبة لشبكات التّواصل الاجتماعيّ فهي سلاح ذو حدين، هناك من يطوّعها في الخير فيتزوج ويصادق ويعمل الصّالحات ويشيع في أمة الإسلام السّلام، وهناك من تجرفه التّقنية إلى سوء العاقبة، فالكلمات الثّلاث: (الحُبّ والصّداقة والزّواج) كلمات من نور، سواء كانت في الواقع أو في العالم الافتراضيّ، المهم أن لا تنحرف المعاني الطّيبة فتنساق إلى ما يندم عليها أصحابها وقد لا ينفع بعد كلّ شيء النّدم.

-كلمتك الأخيرة للحوار؟


الأمة مقبلة على تغيرات، وهي تخطو خطوات رائدة وواسعة، ومن المهم تكثيف المراجعات، حَتّى لا يقع الإنسان ضحية التّجارب، فليس النّاس (فئران مختبر)، وما يهمني في المقام الأول هو هذا الجيل الصّاعد من الشّباب والشّابات، أنا ألحظ التّقصير الشّديد تجاههم رغم كلّ ما يبذل، يحتاج الشّاب إلى من يمسك بيده ويأخذه بحُنُوّ ليوصله إلى طريقه الصّحيح، الأجيال الماضية عانت التّخبطات في الكثير من منعطفات حياتها، ولهذا نرجو أن لا يعيش شباب اليوم معاناة الأمس، وعليه ينبغي أن تُلْزَم المؤسّسات الأدبيّة والثّقافيّة بالاعتناء بهذه الشّريحة على طراز بيوت الرّياضة، وهذه العناية لا تكون بآحاد النّاس تشتعل يومًا وتنطفئ ما بقي الدّهر؛ لمجرد هَبّة ريح، إن الجميع مَعْنِيّ بتطوير الوطن، ولا يكون ذلك إلا بتكاتف المؤسّسات الحكوميّة وسائر كفاءات المجتمع المدنيّ ومؤسّسات القطاع الخاص، حينها سنلمس نقلة نوعيّة فريدة، نطمح منها أن نرى التّميز كائنًا يسير على قدمين.




الأحد، 11 أكتوبر 2020

الجائزة الأدبية ومعيارية التقييم






كثر اللغط حول تفرد نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب عربيًا، فما هو السر؟، هل هو تميز في الرجل؟، أم قلة حظ في الآخرين؟!، هناك من ترشح عدة مرات ينل أي شيء، نجيب محفوظ هو الرقم الأوحد الذي ظفر بها، فما هو السر؟، برر البعض أن الجائزة مخصصة للسلام وآداب الشرق تغرق في العنف والقبلية؟، فهل هذا صحيح؟، يرى البعض أن للسياسة دور في الحرمان العربي، ويبالغ البعض بإقحام نظرية المؤامرة، فما هو سر حجب الجائزة عن أدباء العرب؟، رغم أن هناك من الأدباء من بلغوا شأو محفوظ، مثل: محمود درويش، ونزار قباني، وطه حسين، وشخصيات أبلت بلاءً حسنًا، ومع كل الجهود تبخرت نوبل وتبخر الأمل لقطفها!!


هل أدب نجيب محفوظ سيد الأدب؟، بمعنى أنه عقمت أرحام الأمهات عن انجاب غيره؟، أم أن هناك من تفوق على أدب نجيب ومع ذلك لم يكسب نوبل؟، بلاشك أن نوبل ليست المقياس للتمييز والتمايز، وعلى فرض تفرد أدب نجيب، فإن الزمن أبرز من فاقه، ومع ذلك لم تهبط الجائزة لعربي، ولم يقطفها من العرب إنس بعده ولا جان، فهل هناك تنكر للعرب؟، أم أن الأيام المقبلة ستكشف عن مبدع عربي قادم يكسب نوبل فتكتحل به العيون؟


لن نطيل الحديث عن نوبل، بل نرغب في الحديث عن التميز الأدبي ومقاييسه، هل هناك محسوبيات لنيل الجوائز؟، أم أن المعايير واضحة؟، أظن أن الوقت أصبح مناسبًا لذكر ما يخالف السائد، وأن التغني بأشخاص بارزين أصبح موظة وعلكة يجب التخلي عنها، والأولى هو إخضاع الأدباء لمعايير أدبية صارمة، بغض النظر عن الأسماء والشخوص اللامعة، فالحكم والحكم هو المعيارية، لهذا يتنافس كبار الأدباء حول جائزة ما فيبرز أديب مغمور، ويخسر الرهان ذائع الصيت!!


نعود لنجيب محفوظ البطل العربي الذي خطف نوبل، ونتساءل: هل محفوظ هو الإنموذج والمعيار؟، أم أن هناك من تفوق عليه؟، يقول الدكتور يوسف زيدان في صحيفة اليوم السابع:

(هناك طفرة كبيرة فى القراءة، وهناك كتّاب طبعوا أكثر من نجيب محفوظ)، ثم يواصل زيدان حديثه: (وظن الفكر السائد أن زمن القصة انتهى عند يوسف إدريس، وأن نجيب محفوظ فلت بنوبل)، من يفهم اسلوب زيدان التلميحي الحذر يدرك أنه يرى أن هناك مبالغات حول نجيب محفوظ وأن له أنداد وربما يفوقونه جودة وكثرة، وهذا ما صرحت به الأديبة الدكتورة نوال السعداوي في جريدة (المصري اليوم) حيث قالت بصراحة عن نجيب محفوظ: (بالغ الكثيرون فى تأليه نجيب محفوظ كعادتهم مع الفرد الواحد الجالس على أي قمة، تسابقوا فى تقديسه بعد حصوله على جائزة نوبل).


لنرى ما ترى فيه السعداوي؛ حيث تقول في ذات المصدر: (لا شك أن نجيب محفوظ كاتب مبدع كبير، يستحق التمجيد، لكن المبالغة فى أي شيء تنقلب للضد أحيانا، كما تتفاوت روايات نجيب محفوظ بالطبع فى القيمة الأدبية، فلا يمكن أن تكون الأعمال الإبداعية متساوية لدى الجميع، وتلعب الثقافة والتربية والتعليم والدين والسياسة دورا فى اختلاف الأذواق والوعي الإبداعي، لكن الإبداع الشجاع المتمرد يتقدم بخطى أسرع من الحركة النقدية الأكاديمية).


إذا كانت الجوائز ليست الحكم، فما هي إذًا؟، لاشك أن المعايير الأدبية، هي المقياس، فلماذا لا نضعها على منضدة المختبر، ونعلم الجيل على اقتنائها، اعجبتنا ورشة الدكتور ناصر عراق (مختبر الإبداع الأدبي) في الإمارات والتي تناولت فن كتابة الرواية، إن في جعبة أمتنا العربية كبار الأدباء، ونحتاج للترويج لمثل هذه التظاهرة الأدبية، حينها لن نحتاج لنوبل ولا غيرها، لكون أننا بلغنا الإبداع الذي يشير لأصحابه وإن حجبت الجوائز لمن يستحقها. 


المصدر: الإعلام الحقيقي ريال ميديا


https://www.prealmedia.com/ar/post/32087



الثلاثاء، 29 سبتمبر 2020

رواية عربيّة متميزة


 

إنّ هذا العنوان خادع لمن يقرأه، فليس الحديث عن رواية عربيّة متميزة، إنما عن أمر آخر هو غاية في الأهميّة، فالتّميز تختلف ذائقته وقواعده، من شخص لآخر، ومن منهج لغيره، ولنبدأ الحديث بسؤال: هل يدرك القراء حجم العناء الذّي يبذله الرّوائي حتّى ينتج رواية واحدة، إنّه يصهر نفسه كالشّمع حتّى يشرق النّهار، وكالشّمس حتّى تغرب، فكيف إذا كانت روايته متميزة نالت على الأعجاب؟، ألا يستحق الرّوائي المجتهد أن يقدر ويثمن؟!، قبل فترة أعجبني أحد الرّوائيين المتميزين وهو الرّوائي المصري «أحمد خالد توفيق»، أخذتُ ابتلع رواياته وأحدث عنه الأصدقاء، وللأسف قال لي أحدهم: إنه رحل عن الحياة، ظننته ما زال بيننا، لكنّ الموت خطفه فذرفت عليه الحزن والألم، ومن جمر اللّظى تساءلتُ: لماذا لا يعرف المتميز إلا بعد رحيله؟ ّ، تبسمت وقلتُ: أليس هناك أحياء بيننا ولم نسمع بذكراهم حتّى هذه اللّحظة؟، لماذا ننتظر الموت ليعرف بهم؟

كثير من القراء يبحثون عن رواية عربيّة متميزة، يرغبون في قراءتها واقتنائها، خاصّة إذا حلّوا ضيوفًا على مكتبة أو معرض، أو طلبوا رواية من متجر وسواه، هنا سنتحدث عن جملة من الرّوايات العربيّة المتميزة، وهذا الاستعراض لون من ألوان الاحتفاء والتّعريف بأصحابها، حتّى لا يعرفنا بهم الموت، لا قدر الله، أفلا يستحق المتميز منا التّقدير والإنصاف؟، لن نستطيع التّحدث عن كلّ الرّوايات المتميزات، لذا سنقتصر على بعضها ممن حصدت جوائز أدبيّة مرموقة، وسندرجها وفق التّالي: -


1/ روايات جائزة البوكر العربيّة:


هي جائزة عالميّة في الأدب العربيّ انطلقت في 2007 في أبو ظبي، من أبرز الرّوايات التّي فازت بها: رواية الدّيوان الإسبرطي - للجزائري عبدالوهاب عيساوي، ورواية بريد اللّيل للرّوائيّة اللّبنانيّة هدى بركات، ورواية حرب الكلب الثّانية للرّوائي الأردنيّ إبراهيم نصر الله، ورواية موت صغير للرّوائي السّعوديّ محمد حسن علون، ورواية ساق البامبو للرّوائي الكويتيّ سعود السّنعوسي، ورواية طوق الحمام للرّوائيّة السّعوديّة رجاء عالم، ورواية ترمي بشرر للرّوائي السّعوديّ عبده خال، ورواية عزازيل للرّوائي المصري يوسف زيدان، ورواية واحة الغروب للرّوائي المصري بهاء طاهر، وغيرها. بودنا التّوسع، إلا أننا نريد الاقتضاب، والإشادة بها وبأصحابها وهو أقل القليل.


2/روايات جائزة كتارا للرّواية العربيّة:


وهي جائزة سنوية دشنتها المؤسّسة العامة للحي الثّقافيّ «كتارا» منذ عام 2014، وتستقبل في التّرشيح فئة الرّوايات المنشورة وغير المنشورة، وهذه بعض الرّوايات المتميزات في الفئتين:

فئة الرّوايات المنشورة:

برزت جملة من الرّوايات ومنها: رواية جنّة لم تسقط تفاحتها للرّوائيّة ثورة حوامده، ورواية أنفاسُ صُلَيْحة للرّوائي عمر فضل الله، ورواية باري أنشودة سودان للرّوائي إبراهيم أحمد، ورواية لا ماء يرويها للرّوائيّة نجاة حسين عبد الصّمد، ورواية نزف الطّائر الصّغير للرّوائي قاسم محمد توفيق، ورواية مملكة الفراشة للرّوائي واسيني الأعرج، وغيرها.

فئة الرّوايات غير المنشورة:

وهي فرصة ذهبيّة لمن لم يطبع روايته بعد، وسنورد بعض المتميزات فيها، منها: رواية لون آخر للغروب للرّوائيّة هيا صالح، ورواية صهيل تائه للرّوائي زكريا إبراهيم، ورواية اللّحية الأمريكيّة - معزوفة سقوط بغداد للرّوائي عبدالكريم شنان العبيدي، ورواية وجوه مؤقتة للرّوائي حسن محمد بعيتي، ورواية هاجر فلسطين، الكويت، وبعد للرّوائيّة ثائرة غازي، ورواية امرأة في الظّل للرّوائي عبدالجليل الوراني التّهامي. وغيرها.


3/ روايات جائزة الطّيب صالح العالميّة:


وهي جائزة أدبية أطلقتها الشّركة السّودانيّة للهاتف السّيار «زين» في فبراير 2010م، متزامنة مع الذّكرى السّنويّة الأولى لرحيل الأديب الكبير الطّيب صالح، ونذكر بعض الرّوايات التّي فازت بهذه الجائزة، منها: رواية أول النّهار للرّوائي المصري سعد القرش، ورواية ذاكرة شريرة للرّوائي منصور الصّويم، ورواية كي لا يستقيظ النّمل للرّوائي علي أحمد الرّفاعي، ورواية ثرثرة الصّمت للرّوائي يحيى الفاضل أبوعرف، ورواية قنقليز للرّوائي هشام آدم، ورواية الغابة السّرية للرّوائيّة ليلى صلاح، ورواية دائرة الأبالسة للرّوائي محمد الخيري حامد. وسواها.


4/ روايات جائزة نجيب محفوظ للأدب:


وهي جائزة أدبية أطلقها قسم النّشر بالجامعة الأمريكيّة بالقاهرة عام 1996م، تقوم الجائزة بحفل التّتويج في 11 ديسمبر الموافق لميلاد الكاتب الكبير نجيب محفوظ. قيمة هذه الجائزة ألف دولار مع ترجمة الرّواية الفائزة إلى الإنجليزيّة ونشرها، هناك العديد من الرّوايات المتميزة توّجتها هذه الجائزة نذكر منها: رواية مسرى الغرانيق في مدن العقيق للرّوائيّة السّعوديّة أميمة الخميس، ورواية مخمل للرّوائيّة الفلسطينية حزامة حبايب، ورواية حكايات يوسف تادرس للرّوائي عادل عصمت، ورواية لا طريق إلى الجنّة للرّوائي حسن داوود، ورواية شوق الدّرويش للرّوائي حمور زيادة، ورواية لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة للرّوائي خالد خليفة، ورواية وراق الحُبّ للرّوائي خليل صويلح، ورواية ذاكرة الجسد للرّوائيّة أحلام مستغانمي، ورواية رأيت رام الله للرّوائي مريد البرغوثي. وغيرها.

هل انتهت الرّوايات المتميزات؟، بالطبع لا، وهناك جوائز مرموقة أخرى، لا نستطيع التّحدث عنها في هذه العجالة، والفكرة، هي أننا نحتاج أن نسلط الضّوء على الرّواية العربيّة المتميزة، نأمل أن يشبع هذا الموضوع من قبل المهتمين، فبحق تستحق المتميزة الاحتفاء، ويستحق صاحبها التّقدير.


المصدر: صحيفة جهينة الأخبارية

‏https://juhaina.in/?act=artc&id=70644

الخميس، 17 سبتمبر 2020

الأطفال حينما يكتبون






قلب الحدث قداحة إبداع، قلب الحدث بؤرة مثاليّة لخلق التّميز، فلماذا لا نهيئ المؤسّسات لاحتضان المبدع المقبل وإنّ كان «صغيرًا»؟، الشّتلة المرعيّة تعطي ثمرًا يانعًا، فلماذا لا نصب الاهتمام على أبنائنا الموهوبين؟، الحديث الفردي لا يخلق الموجة، ولا يتكوّن الإعصار إلا إذا تكاتفت الأكف، ما نحتاجه تشكيل هيئة تعمل على اكتشاف المواهب الكتابية منذ الطّفولة المبكرة، سحرتني ذات نهار الكويت حين لمستُ بعض الكتّاب اليافعين، فسررت وأنا أقرأ ما كتبوا، وأعلم أنّ خلف الأكمة جهد ورعاية أغدقت على هذه الأقلام الشّابة.

إننا بحاجة ماسة لتشكل مؤسّسة الكتّاب الصّغار واليافعين، وظيفتها كشف النّقاب عن تلك الموهبة المخبوءة، ومن ثمّ وضع القطار على «السّكة»، لتنبهر العيون بما يصنع الموهوب الصّغير.

فرغنا من الحديث عن الكتابة للصّغار، وجاء الدّور لخلق المبدع الصّغير، الطّموح أن نضع الطّفل الملّاح في مكانه الصّحيح ليقود سفينته، شبعنا من الكتب التّي تتحدث عن تنمية مواهب الطّفل، ولكنها مخصّصة للكبار، لماذا لا نضع الكعكة في وسط الكتاب ليتذوق الصّغير روعتها ويشق من خلالها طريقه؟!

التّجربة خير برهان، فهناك عمالقة من الكتّاب، كانت بدايتهم من الإعداديّة والابتدائيّة، وهي مرحلة بداية الانطلاق، المطّلع يدرك أنّ هناك توجه حالي لاستقطاب «الأطفال المبدعين»، حيث دشنت عدّة جهات اطلاق مبادرات وجوائز كتابيّة مخصّصة للطّفل، من أجل كتابة «قصة قصيرة» أو سكب لون كتابي يعبق بأدب الطّفل، هذه الموجة الحضارية لا تكفي، والمطلوب رعاية الطّفولة الإبداعيّة، أعرف أنّ هناك محاولات فردية لرعاية الموهوب الصّغير، وهذا لا يكفي كذلك ولا يرتقي للطّموح، إننا نحتاج للنّقد من أجل البناء، لهذا نضع العتب الحضاريّ للمسؤولين، لماذا لا تُعني المؤسّسات الثّقافيّة بالنّشء؟!، لماذا تسقط أعمار الأزهار من قواميسها، كما يصنع الخريف؟، إننا نرغب في الرّبيع، والرّبيع يعني تفتح الأزهار لا اهمالها وسحقها.

من خلال تجاربنا مع الصّغار، ندرك جليًا أنّ في أعينهم تألق، وفي صدورهم حلم، وبين أناملهم موهبة، ليس المطلوب منا إلا مسك الإبريق ورش بعضَ الاهتمام، الصّغار يفهمون ويعلمون ويدركون، ويدركون أنهم يدركون، في مرة من المرات قرأت لهم إحدى قصصي الموجه للصّغار، وهي: «مستعمرة الدّيدان»، أدركت بحق أنهم يفهمون منها ما لا يفهمه الكبار، تجري الحروف في عروقهم مجرى الدّماء، إنهم بالفعل يتذوقون، ولا يستعجلون المضغ كما يصنع الكبير، لهذا نرى أنّ في الصّغار كنز، فهم يستمعون بقلوبهم قبل اسماعهم، في تجربة أخرى، قدمت لهم مدخل قصة تخيليّة، وطلبت منهم اكمالها، فأبدع الصّغار في الحكاية، وهذا دليل نجاح.

كلّ ما يحتاجه الطّفل ورقة وقلم، ثمّ إلى قداحة تثير عقله، ورعاية رقيقة لأنامله الصّغيرة؛ ليحلق بخياله نحو رحلة الأحلام، فلنفتح الطّريق للملائكة أن يدوّنوا عالمهم؛ حينها سنشم الشّذا وتعبق الأزهار.


المصدر: صحيفة جهينة الأخبارية

‏https://www.juhaina.in/?act=artc&id=70183


السبت، 12 سبتمبر 2020

سادة الأدب المعاصرين

 

سادة الأدب المعاصرين 



عظماء الأدب لا يبلغون العظمة إلا بعد قطع شوط كبير من العطاء الأدبيّ، بمختلف ألوانه وفصوله، فإذا تصفحنا عظماء الأدب العربيّ سيشير البنان إلى أسماء لامعة شقوا طريق العظمة وبلغوا المجد، وإنّه لمن العسير أن يبلغ أحد ما هذا المجد، وإن كان في حقيقة الأمر يبلغه ويجوزه، وسام العظمة الأدبيّة لا ينالها المستحق، يكرم أحدهم لفوزه بجائزة، أو يحتفى به لأنه اتقن عملًا، تسلط الصّحافة عليه الأضواء في لقاء أو حوار أو دراسة، وما أشبه، أما أن يوصف بسيادة الأدب في العصر المعاصر، فدون ذاك خرط القتاد، إن عقولنا تزهو كثيرًا بالرّاحلين والأموات، بينما نجحف حق الأحياء !!

 لنذكر أسماء رنانة نتباهى بها، ونطرب لسماع ذكراها: طه حسين، نجيب محفوظ، أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، عباس العقاد، محمد الجواهري، نازك الملاكة، جبران خليل جبران، مي زيادة، نزار قباني، محمود درويش، ومن هم على ذات القامة والنّسق، في الأسطر التّالية، سأضع أسماء معاصرة، لها مكانتها وعظمتها، وأنا واثق أنّهَا لها ثقل ونصيب من العطاء الذّي بخسوا في التّقدير، ولم يبلغوا المجد الذّي يستحقونه، لأننا عشقنا الموت والأموات، وألقينا بالحياة والأحياء وراءً، سأذكر منهم: (أمين معلوف، يوسف زيدان، أحلام مستغانمي، واسيني الأعرج، أدونيس، غادة السّمان)، وسواهم، ولنستعرض بعض أهم ما كتبه هؤلاء لنضع ما كتبوه في كفة الميزان للحكم، وحَتّى يرى البصير أنّ بيننا قامات تستحق الاحتفاء، رغم أنّ جنايتهم الوحيدة أنّهم لايزالون على قيد الحياة، فلنبدأ من الأخير مع الرّوائيّة السّوريّة (غادة السّمان) التّي لديها تحف عديدة منها: (عيناك قدري، كوابيس بيروت، ليل الغرباء، أعلنت عليك الحبّ)، أما الشّاعر السّوريّ – اللّبنانيّ علي أحمد سعيد إسبر المشهور باسمه المستعار (أدونيس) فلديه ما ينوء به الجمل بما حمل، ومما لديه: (أغاني مهيار الدّمشقيّ، أوراق في الرّيح، موسيقى الحوت الأزرق)، ونأتي على الرّوائي الجزائريّ واسيني الأعرج، الذّي له باقات من الرّوايات الخلّاقة والمبدعة، منها: (طوق الياسمين، أصابع لوليتا، مملكة الفراشة، سيرة المنتهى، حكاية العربيّ الأخير)، أما ابنة محمد الشّريف الرّوائيّة الجزائريّة الشّهيرة (أحلام مستغانمي)، فلديها عِدّة روايات مبهرة تسابق القراء لاقتنائها، منها: (فوضى الحواس، ذاكرة الجسد، الأسود يليق بك، عابر سرير، نسيان com.)، الرّوائي والكاتب المصري ذائع الصّيت (يوسف زيدان)، لديه كم هائل من الإنتاجات، لعلّ أبرز ما كتب من رواياته: (ظل الأفعى، عزازيل، النّبطي،  نور، محال، جونتنامو)، وأخيرًا وليس آخرًا الأديب والرّوائي الصّحفي اللّبناني أمين معلوف، الذّي له العديد من الرّوايات الشّائقة، منها: (ليون الأفريقي، سمرقند، حدائق النّور، موانئ الشّرق).

إنّ هذه الرّوايات والإنتاجات لتستحق القراءة والمطالعة، وحَتّى ينصف الكاتب الذّي أسهر المقل ولم ينل حظه الطّبيعي من الثّناء، وأنا واثق كلّ الثّقة أن الدّنيا ستقوم ولن تقعد احتفاءً بهؤلاء وسواهم لمجرد سماع نبأ لا نريد سماعه، إننا في هذا الزّمن نحتاج أن نلقي عباءة الموت والموتى جانبًا، ونشيد بمن هم أحياء يرزقون، إننا نريد تخليد ذكراهم من الآن، لا بعد رحيلهم، هناك من المبدعين لم أذكرهم وهم كثر، الغرض إيصال الفكرة وهي أن نساهم في تسيير عجلة الإبداع بالتّقدير، فلماذا لا نقول للمحسن (أحسنت)، ما أجمل أن نكنس النّقد قليلًا ونحوله لعبارات الثّناء التّي نشح بها على أدباءنا الأحياء، متى ستنتهي الخصومة بذكر المناقب؟، إننا ندعوا للمساهمة  في تشكيل عظمائنا، فالأمة التّي تقدر العظماء أمة عظيمة، فلماذا بخس الحق ما دام المبدع بروحه رمق، فإذا ما فارق تغنينا بأمجاده وما أبدع، ماذا اختلف اليوم عن البارحة؟، إنّه الموت الذّي يرفع أقوامًا، والحياة التّي تبخس آخرين، هي دعوة وصرخة لنكرم العظماء الأحياء قبل رحيلهم، لنكرم الشّباب المبدع قبل كهولهم وقبل أن يهرموا، حَتّى نساهم في تشكيل الحضارة المقبلة.



المصدر : الاعلام الحقيقي، ريال ميديا

‏https://www.prealmedia.com/ar/post/31649

الخميس، 3 سبتمبر 2020

الرّواية السّعوديّة ريادة وتميّز

 الرّواية السّعوديّة ريادة وتميّز


كثر الحديث عن الرّواية، لكونها أصبحت ديوان العرب، والرّواية السّعودية أخذت تشق طريقها للرّيادة والتّميز منذ وقت مبكر جدًا، في هذه السّطور سنتحدث عن روايات سعودية متميزة، تستحق القراءة، وقد أحدثت دوامات من الإعجاب والجدل؛ حَتّى عدها البعض أنّهَا من أهم انتاجات الرّواة في المملكة، الرّواية الموفقة تشير بالإبداع إلى إمكانيات صاحبها وتألقه، وسنشير هنا إلى خمسة من الرّواة السّعوديين الذّين شغلوا القراء بإنتاجاتهم، وسنضع لمحة قصيرة عن كلّ رواية.
الرّواية الأولى: (رواية الحمام لا يطير في بريدة)، ليوسف المحيميد، يتألق الرّوائي يوسف في هذه الرّواية التّي يتحدث فيها عن هيئة الأمر بالمعروف – المنحلة -ويسرد وقائع وخلافات وقعت بينها وبين أحد الشّباب، صدرت هذه الرّواية عام 2009م، وقد أحدثت جدلًا كبيرًا في وقتها. الرّواية الثّانية فاقعة الشّهرة صدرت عام 2005م تتحدث الرّواية عن العلاقة بين الجنسين في السّعوديّة، أثارت هذه الرّواية لغطًا وغضبًا كبيرًا، رَدّ عليها البعض ورشقها البعض الآخر بما شاء لهم من الأوصاف، وحققت رجاء الصّانع بها شهرة واسعة وبلغت للعالميّة، إنّها الرّواية الشّهيرة (بنات الرّياض).
الرّواية الثّالثة صدرت عام 2008م وهي رواية متأثرة بأحداث 11 سبتمبر أيلول، منحاها ديني وسياسي، أثارت جدلًا واسعًا لما تحمل من معلومات وأفكار، هذه الرّواية للكاتب السّعودي تركي الحمد، والمعنونة باسم (ريح الجنّة). الرّواية الرّابعة ذائعة الصّيت صدرت عام 1999م، تتحدث عن التّيارات السّياسيّة والفكريّة، وتغرق في الخلافات الاجتماعيّة والسّياسيّة، إنّهَا رواية (شقة الحرية) للسّفير السّعوديّ غازي القصيبي. الرّواية الخامسة تتحدث عن بعض القضايا الاجتماعية، وتروي حكاية تخيليّة لفتاة تَمّ دفنها في المقبرة لمدة يومين، استطاعت هذه الفتاة من الهروب، الرّواية شهيرة وأحدثت جدلًا واسعًا في وقتها، وهي (فسوق) الصّادرة في عام 2005م للرّوائي السّعودي عبده خال.
هناك العديد من الرّوايات السّعوديّة المتميزة، والتّي تألق بها أصحابها، مثل: ساق الغراب ليحيى امقاسم، بنت الجبل لصلاح القرشي، ضرب الرّمل لمحمد المزيني، فلتغفري لأثير النّشمي، حبيبتي بكماء لمحمد السّالم، موت صغير لمحمد علوان، الوسميّة لعبدالعزيز مشري، أنت لي لمنى المرشود، وغيرها الكثير، إننا لا نستطيع قفل الأقواس، ولا نتمكن من وضع النّقطة نهاية السّطر، فلا شكّ أنّ هناك روايات سعودية متألقة.
الخلاصة أنّ الرّواية السّعودية قد بدأت وهي تسير للتّطور، ولأنّ التّحديات صعبة، والأراضي مهيأة والتّنافس يشتد، نتوقع أن نرى أعمالًا سعوديّة متألقة في السّنوات الخمس المقبلة، الرّواية السّعوديّة ستشهد نقلة نوعيّة في اعتقادنا، إلا أنني أوجه سهام النّقد لأصحاب الشّأن الثّقافي في المملكة، حيث أنّ الجيل الصّاعد يُصْنَع منفردًا، وهذه المسألة يجب أن ينوه لها، ومن المهم أنّ تحتضن الأقلام الواعدة ذات الكفاءة والموهبة، فلماذا لا نرى مؤسّسات تنتخب وترعى كوكبة المبدعين المقبلين؟، لم أر منصة إلكترونيّة واحدة، من شأنها تطوير الرّوائي الصّغير، ليلتحق بالرّوائيين الكبار، أظن أنّ النّوادي الأدبيّة والمؤسّسات الثّقافيّة ساهمت مساهماتها الجيدة، إلا أنّ الطّموح ينبغي أن يوجه ليواكب الرّؤية التّي لن تكون ارتجاليّة لتحقق الأهداف المرجوة.
ما أريد البوح به، هو أنّ المبدعين السّعوديين يحتاجون لمزيد اهتمام، الكبار منهم والصّغار، وما صفق له قلبي بحق هو المبادرة الرّائعة التّي تقوم عليها المبدعة الدّكتورة الخضيري وهي: (التّفرغ الثّقافيّ)، التّابعة لوزارة الثّقافة السّعوديّة، حيث صرحت أنّهَا تخص المبدعين في مختلف الفنون بما فيها السّرد بأنواعه، والغرض منه توجيه كامل الطّاقة للمنتج الثّقافي الذّي يعمل عليه المبدع، رغم أنّ الفكرة ولدت متأخرة، إلا أنّهَا تعطي المبدعين بارقة أمل، وأن الوقت المقبل لصالح الإبداع، وهو ما نترقبه في الأيام المقبلة.

المصدر: محرك البحث الأخباري نيوم نيوز ، منقول عن جهينة الإخباريّة.

الجمعة، 28 أغسطس 2020

حوار أدبي

 الروائي عبد العزيز آل زايد: السعوديون الرواة قادمون وسيصلون إلى الصدارة

يوم: الأربعاء/ تاريخ: 26-أغسطس-2020م

 حاورته/ د. لطيفة القاضي 


• شاب متطلع يرنو للصعود 

•نرجو من السادة الزعماء مد يد المعونة للمبدعين

•لقد كسبت الرواية السعودية عدة جوائز

•الوفاء هو خلق كريم يتخلى به ملائكة البشر

•القراء على وجوه و درجات



عبدالعزيز حسن آل زايد (ولد عام 1979م)، كاتب وروائي سعودي، حاصل على (جائزة الإبداع)  في يوليو 2020م، من مؤسسة ناجي نعمان العالميّة في بيروت في دورتها الـ18، بروايته (الأمل الأبيض)، والتي تعتزم مؤسسة ناجي نعمان الثقافية نشرها ضمن سلسلة (الثقافة بالمجان) في سبتمبر 2020م، آل زايد يحمل درجة البكالوريوس من جامعة الملك فيصل في الأحساء، ودبلوم عالي من جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل. بدأ الكتابة بالقصص القصيرة ثم اتجه للرواية.


الروائي آل زايد مهتم بالسّرديات التاريخيّة التخيليّة، يعمل معلمًا في إدارة التعليم بالمنطقة الشرقية، له العديد من الكتابات على الصحف والمجلات الإلكترونية ومواقع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. يقول الكاتب عن نفسه: " عشقي الكتابة ونفسي الشعر، أبعثر الحروف فيكتمل السرد، ومع كل ذلك أبقى أحمل بيرقًا مشتعلًا لإنارة الجيل الصاعد، أليس المعلم يوشك أن يكون نبيًا ورسولًا". ويقول عنه الكاتب حسن حسين العوامي: "أنا فخور للغاية بموهبتك الفذّة، كَأنّي أرى اسمك يَتَرَدّد في فضاء الأدب العربيّ ويُنقّش في سجل عمالقة الرّوائيّين العرب في بضع سنوات، أنت مشروع ثقافي كبير، كم أنا فخور بك".


أهلا و سهلا بكم ضيف كريم


-من هو عبد العزيز آل زايد الانسان بعيدًا عن الرواية، والمقالات؟

هو طفل بريء يحلم بالسّعادة في الحياة رغم قساوتها، صبيّ يسعى للانطلاقة كالفراش، شاب متطلع يرنو للصّعود ويتطلع للقمم، رجل يعشق العطاء كالشّموع حين يحرقها اللّهب. هو إنسان يحترم ما يعتقده الآخرون وإن عبدوا العجل والبقر، وإن عبدوا (اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ)، هو إنسان يفتح ذراعيه للمختلف عنه ويرجو أن يعم في الأرض السّلام. هو إنسان يحلم بالأرض الخضراء التّي لا تراق فيها الدّماء، ولا تندلع فيها ألسّنة الحروب، إنّه يمقت البغضاء والكراهيّة التّي تحتقر الآخرين، هو رجل طموح يعشق النّجوم ويرى أنّ في الحياة أمل، هو شاب يُفْتتن بالزّهور ويعشق الأحلام والأمنيات، صبيّ يُحِبّ اللّهو وطفل يتيم فقد أمه.

     

-ما هو سبب الاهتمام بالرواية السعودية في السنوات الأخيرة؟، و ما هي قراءتك للمشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية اليوم؟

لماذا الرّواية دون غيرها؟، هذا السّؤال الذّي ينبغي أن يطرح، بالأمس كانت في يدي مجموعة قصصيّة جميلة لكنّها لم ترق لي رغم جمالها، السّبب أنّ سطورها تنتهي بسرعة، والأنفاس لم ترتوِ منها بعد، أظنّ أنّ الرّواية لها جاذبيتها في النّفوس لكونها تخطف القراء من عالمهم إلى عالم آخر يحتاجون للعيش فيه، وتمتد بهم السّطور لدرجة الإشباع، في السّنوات الأخيرة برزت الرّواية السّعوديّة، لكونها قفزت لتحتلّ مكانتها في العالم العربيّ، عبر هواة متمكنين استطاعوا تخليد أسمائهم، مثل: (القصيبي غازي، وتركي الحمد)، لم يرحل السّفير المبدع عن الحياة حَتّى اسلم الرّاية لشقيقه في الإبداع (عبده خال)، ومن خَلْفِهِ رجال، وأمام الرّجال نساء يقدنّ المسيرة ويقتفينّ الأثر، الخلاصة تميّزت الرّواية السّعوديّة وبلغت شأْوها، وهذا ما يضع الجيل الجديد أمام تحدّي جديد، باعتبار أنّ الزّمن اختلف وللإبداع فيه يحتاج للمسة موهبة لا محاباة فيها، ولا تثبتها إلا الجدارة والمكنة الحقيقيّة.

   

وقبل أن أضع تصوري للمشهد السّعوديّ المقبل، أرى أن المبدع في الجوار يحتاج لوقفة صادقة معه ليتمكن من تقديم ما لديه، وخاصة في هذا الزّمن الصّعب، فأنا رغم سعوديتي الفاقعة أحُنّ للتسامر مع أصدقائي الأدباء في الجوار وأن أعيش معاناتهم، ولهذا نرجو من السّادة الزّعماء مَدّ يد المعونة للوقوف مع المبدعين في أيّ مكان كانوا وفي أيّ زمان، (فالجار ثُمّ الدّار).

لقد كسبت الرّواية السّعوديّة عِدّة جوائز بارزة، وهذا دليل على تميّزها، إلا أنّ الرّهان اليوم أصبح صعبًا، والتّنافس في أشده، وأعرف أنّ السّعوديون الرّواة قادمون وسيصلون إلى الصّدارة وسيتوّجون بالذّهب، رغم أنّ أصدقائي الأدباء في دول الجوار يغرقون في الإبداع، القلم المبدع في كلّ مكان، ولكنّ المملكة اليوم تختلف عن الأمس، والتّوجه الثّقافيّ في هذه اللّحظات ترعاه عيون، وهناك نظرة رعاية فائقة أرجو أن ينال منها كلّ المبدعين، فليس للإبداع حدود، ولا يأطره إطار حَتّى بالمعنى السّياسيّ، والمملكة سيدة العرب وشهامتها العربيّة كالشّمس في رائعتها، ومن غير المستغرب أن تَمُدّ يدها البيضاء لكلّ المبدعين العرب، ففي أراضيها خيمة عكاظ وذي المجاز، المشهد الثّقافيّ سيكون مثلجًا للسّعوديين، وما أتمناه بحق أن يعم جميع الأقطار، بحجم سخاء ولاة الأمر الذّين يحق للجميع انتظار سخائهم بشوق.

   

-هل تعتقد بأن الرواية العربية وصلت للعالمية، و كيف يمكن السيطرة على عالم الثقافة والإبداع؟

الرّواية العربيّة وصلت للعالميّة، وهذه فرصة لأغازل بعضهم، أمثال: أحلام وزيدان، ونجيب والغيطاني، والطّيب صالح وكنفاني، ومنيف ومحمد شكري، وغادة السّمان ورجاء الصّانع، وسواهم، السّؤال الأولى: بماذا امتازت الرّواية العربيّة التّي بلغت المرتبة العالميّة؟، وهذا السّؤال يحتاج لورشة نقديّة متخصّصة تُعْمِل العصف الذّهنيّ لتكشف السّر وراء هذا التّميز الذّي أوصل التّحف الأدبيّة لمقامها السّامق، فمثلًا: هل تفوق محفوظ في ثلاثيته للنّمط الإنسانيّ الذّي يبحر فيه؟ أم للتّحليل النّفسيّ الذّي يغرق معه؟ أم هو لنقده الاجتماعيّ دون أن يَرّف له جفن؟!، إننا نحتاج من النّقاد مَدّ يد العون للمساهمة في تبديع الجيل المقبل، ما هو سر: "الزّيني بركات، وموسم الهجرة إلى الشّمال"؟، ما أوجه الإبداع في كلًا من: "ذاكرة الجسد، رجال في الشّمس، الخبز الحافيّ، كوابيس بيروت، عزازيل"؟.

   

لو كانت هناك دراسة تستخلص أوجه الإبداع في هذه الرّوايات، لكانت دراسة قيّمة، ولا أنسى في الأخير ذكر روايات سعوديّة بلغت العالميّة كذلك، مثل: "مدن الملح، وبنات الرّياض". هذا بالنّسبة للشّطر الأول، أما السّؤال الذّي يبدأ بـ "كيف"، فأدع الإجابة عنه، وأحيله إلى منهم أكثر إبداعًا مني، فأنا أتعلم منهم، فإذا بلغت مرتبتهم وتجاوزتها حق لي حينها الإجابة، أما الآن أمتنع. ولمن يلحّ في السّؤال: هناك محاولات جادة في المكتبة العربيّة للإجابة، مع العلم أنّ التّنظير لا يعني الاتقان بالضّرورة.

       

-ما رأيكم بالمفاهيم الآتية: المرأة، الوفاء، الوطن ،الخذلان، الشوق 

المرأة: هي الرّحمة والعقاب، رحمة بعطفها إذا كانت أمًا رؤومًا، وعقابًا ممضًا إذا جافت الحبيب بكلّ قسوتها. الوفاء: لا يكون إلا في الأصفياء، الوفاء ليس غولًا ولا عنقاء، هو خُلْق كريم يتحلى به ملائكة البشر. الوطن: ليس حدودًا تُنقط به خارطة ما، إنّما هو انتماء يشدّنا إليه، فيه تنغرس جذورنا وله تذوب ذواتنا. الخذلان: صفة ذميمة تشرب بها البشر، وداء تشبع به من طمع بالدّنيا التّي هو زائل عنها. الشوق: مغناطيس الرّوح، يقتلع القلب من أجل الحبيب، يطير به إلى معشوقه وإن كان بينهما سبعة أبحر.

   

-الرواية في دول الخليج العربي أصبحت منتشرة و مبدعة، ما هي الأسماء التي لفتت نظرك للروائيين من الخليج؟

إذا تجاوزنا الأسماء الرّوائيّة اللامعة أمثال: "عبدالرحمن منيف، غازي القصيبي، تركي الحمد، عبده خال"، فإننا نرى كوكبة أخرى لا تقل عنها تألقًا، فلقد قرأت للبعض منهم والبعض الآخر ضمن خطة القراءة، علمًا أنّ الإجابة على هذا السّؤال قد يكون صعبًا لكونه يصرّح بأسماء ويطوي آخرين، وهذا ما لا أرغب به، إلا أننا نستطيع ذكر بعضهم على سبيل المثال لا الحصر، منهم: "أميمة الخميس، محمد حسن علوان، جوخة الحارثي، بثينة العيسى، أثير النّشمي، سعود السّنعوسي".

   

ولنبدأ من الأخير فالكويتي سعود السّنعوسي الفائز بالبوكر، له عِدّة روايات شهيرة منها: "ساق البامبو، فئران أمي حصة، ناقة صالحة"، أما السّعوديّة النّشمي فلها عِدّة روايات متميزة، منها: "فلتغفري، في ديسمبر تنتهي كلّ الأحلام، أحببتك أكثر مما ينبغي"، بثينة العيسى أديبة وروائيّة كويتيّة حازت على جائزة الدّولة التّشجيعية لها عِدّة روايات متميزة منها: "خرائط التيه، عائشة تنزل إلى العالم السّفليّ، ارتطامٌ .. لم يسمع له دوي، تحت أقدام الأمهات، سعار، كبرت ونسيت أن أنسى".

أما العمانيّة جوخة الحارثي فهي حاصلة على جائزة السّلطان قابوس للثّقافة والفنون والآداب، ولها ثلاث روايات هي: (منامات - سيدات القمر - نارنجة)، أما السّعوديّ محمد حسن علوان الفائز بالبوكر، له عِدّة أعمال روائيّة منها: "موت صغير، طوق الطّهارة، صوفيا، سقف الكفاية، القندس"، أما الرّوائيّة السّعوديّة أميمة الخميس الفائزة بجائزة نجيب محفوظ في الأدب لها جملة من الرّوايات، منها: "مسرى الغرانيق في مدن العقيق، البحريات، زيارة سجى، الوارفة".

   

-الأمل الأبيض، هذه الرواية التي فزت بها بجائزة ناجي نعمان الأدبية 2020م، كان فيها سرديات تاريخية تخيلية مميزة، هل كنت متوقع الفوز، وما هو شعورك عند معرفتكم بالفوز؟

نعم، المعلومة صحيحة أني فوزت برواية الأمل الأبيض في جائزة الإبداع عن مؤسّسة ناجي نعمان الأدبيّة العالميّة في يوليو 2020م، وهذا ما صَرّحت لي به المؤسّسة وتناقلته الصّحف، بينما المعلومة التّي تليها خاطئة، فالرّواية ليست من السّرديات التّاريخيّة، وليس لها علاقة بالتّاريخ مطلقًا !!، لهذا نصحح بالقول: أنّ الرّواية خياليّة وتسير في أروقة اجتماعيّة. أما عن توقع الفوز فأقول بتواضع لم أتوقع الفوز، ولو قيل لي أنني سأنافس متسابقين من 78 دولة من دول العالم، يكتبون بـ 47 لغة ولهجة، وأنّهم أكثر من ثلاثة آلاف مرشح، وأن مؤسّسة الجائزة أخفضت نسبة الفائزين إلى أقل من 3%، لكان الفوز غير متوقع حَتّى في الحُلم.

   

فما هو شعوري حين فزت بها؟، الحقيقة أنّي لم أفرح ولم استشعر الفوز، رغم هذا النّجاح الكبير، لم أجد له أيّ صدى، وإنّه لمن المؤلم أن أفوز بجائزة كبيرة دون أن أستشعرها، إنّه لمن المؤلم أن لا نشارك الآخرين أفراحهم، إلا أنّ نشوة السّعادة بدأت حين نشرت الخبر على صفحتي فتسابق الأحبة برش الورد وإلقاء التّهاني، حينها بدأتُ أفيق من غيبوبتي ونومي العميق، وأني بالفعل فزت وتحقق الأمل برواية الأمل الأبيض التّي أقول عنها: "أنّها لم تُخَيّبُ صاحبها".

-هل تقبل النقد، و ما موقفك منه؟

أمام النّقد فريقان، فريق لا يقبل النّقد وآخر  يقبله، فإذا عرفنا أنّ وظيفة النّاقد: (كشف مواطن الجودة والضّعف)، فإننا سنعلم أنّ البعض لا يقبل أن تذكر سلبيات ما وقع فيه، وعدم ذكرها يعني الاستمرار فيها، وهذا الاستمرار خاطئ ويجب أن يصحح إلى ما هو صائب. الحديث عن النّقد حساس جدًا، خاصة إذا أدركنا أنّ الرّوائي جلس ساعات طوال ليقدم انتاجه، ثُمّ في هبة ريح تدمر قلاع أحلامه بجرة قلم أو لقلقة لسان، لهذا تَمّ تصنيف النّقد إلى صنفين النّقد الهدام والنّقد البناء، وحَتّى الأخير لا يقبله كلّ أحد حين تحين ساعة تبيين العوار والمأزق والإخفاق، لهذا يستحسن أن تصل حروف النّقد برهافة الورد، لعلّ الأديب الأريب يقبل ما يُقال فيه فتصحح المسيرة، هذا عن ذكر المثالب، فماذا عن الغوص في المناقب؟

        

الحديث عن النّقد يجرنا لمقالة النّاقد الفرنسيّ (رولان بارت) الشّهيرة: "موت المؤلف وميلاد القارئ"، فهل نحتاج إلى إزهاق روح المؤلف لتبدأ حياة القارئ الرغيدة؟، القراء على وجوه ودرجات فمنهم من يحطم الخليّة لنيل العسل، ومنهم من يبالغ في جودة العسل فيصف فيه ما ليس فيه، حَتّى أن المتنبي أشار للصّنف الأخير بقوله: 

أنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُ

وإذا صادف الحال أن يكون قارئ أبيات المتنبي عالم النّحو البارز (ابن جنّي)، فإنّه سيكون أعلم بشعر المتنبي منه!!، بالنّسبة لي أرى أنّه لا يوجد أدب بل نقد، ولا نقد بلا أدب، فعلاقتهما متزامنة، وفرق بين أن نصحح مسار اللّوحة أو نخربشها؟، فالنّقاد يختلفون كما الأدباء، فالرّوائي يمارس مهنته وعلى النّاقد بطبيعة الحال أن يزاول وظيفته، على الرّوائي أنّ يطور أدواته، وهذا ما يحتاجه النّاقد كذلك، كما أنّه من الجميل أن نرى نقد النّقد، فـ "موت المؤلف" لا يرتبط بالرّوائي والأديب فقط، بل يتعداه ليصل الموج للنّاقد أيضًا، وهذا ما أشار إليه الناقد رونان ما كدونالد في كتاب "موت الناقد"، حينها سيخلص النّاقد العمل لأنّ النّاقد التّالي بصير. الأمور ليست بهذه السّوداويّة ولا ينبغي لها أن تعقد حَتّى يعيش الرّوائي كوابيس النّقاد، وعليه أرى أنّ على الرّوائي أن يضع سطوره التّي يراها، "فمن يريد إدارة الأوركسترا، لا بُدّ أن يدير ظهره للجمهور"، وكذا بالنّسبة للناقد، وبين هذا وذاك تحلو المقاربة والتّسديد.

    

-هل يمكن للرواية أن تعيش بعيدًا عن الأيديولوجيا؟

الجواب نعم، ولهذا تصنف الرّواية إلى أصناف، فهناك الرّواية الموجهة (المؤدلجة) وفق أيديولوجيات معينة، وهناك (المتمردة) التّي تصارع هذا الاتجاه وذاك، وتسير في دنيا غريبة (فطُوبى للغرباء!!)، ولأجب عن السّؤال بسؤال: هل سمعنا بمحرقة الكتب؟، هل سمعنا بما فعلته الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى؟، ماذا فعلت؟، الأمر ليس وقفًا على هذا التّوجه أو ذاك، كلّ  الأيديولوجيات تحرق ما لا تتوافق معها، ومن الطّريف أنّي أحرقتُ رواية قبل أيام الصّحوة الثّقافيّة وألقيتها في البحر ونسفتها في اليم نسفًا، لكونها لم تتوافق مع أيديولوجياتي، ولا أتعجب الآن حين تحرق رواية من رواياتي بيد أحدهم، لكونها لم تتوافق مع أيديولوجياته هو الآخر، الجميع يُحِبّ هزهزة الرّؤوس التّي تتوافق مع الهوى، سواء كان الهوى إيجابيًا أو سلبيًا، رغم اللّغط الدّائر في تصنيف ما هو سلبي وايجابي؟، إلا أنني أرى أنّ هناك بعض الأيديولوجيات من الجيد الإبقاء عليها، خاصة إذا كانت الرّواية (عائليّة) ستقع في يد طفل أو ستؤثر سلبًا على سلوك، لهذا اقترح أن تتدخل الحكومات بإلزام دور النّشر بوضع العمر المخصص لاقتناء الكتاب على الغلاف، وإلا فإن المَدّ سيجرف من يسيء الاستخدام.

   

-كلمة شكرًا لمن سوف توجهها؟، كلمة عتاب سوف تقولها لمن؟، كلمة آسف سوف تقولها لمن؟ 

القارئ يعلم لمن سأقول كلمة (شكرًا) إذا علم أن كاتب هذه السّطور طفل يتيم فقد أمه، فكيف إذا كشفنا عن سر؟ أنّ موهبة السّرد أخذتها من أمي، التّي كانت تعرف كيف تسرد الحكايا؟؛ فتجتذب القلوب إليها، لهذا أقول: "ومن شابه أمه فما ظلم!!"، كلمة العتاب مؤلمة ولا أحِبّ أن أجرح بها أحدًا، ولهذا أتمنى أن لا نقولها ابدًا، وخاصة لأولئك الذّين تسببوا في آلام الآخرين، لن أذكر أحدًا، حَتّى لا نسبب الألم لمن سببه للغير، فالله يُحِبّ الصّفح عن الآخرين، ليس عيبًا أن نقول كلمة الأسف، فلا يعتذر إلا الشّخص الكبير، شجاع ذلك الذّي يعتذر ويوزع الورود لمن أخطأ في حقهم، إننا في حاجة ماسة لممارسة عادة الاعتذار، لهذا أدعو الشّيطان أن يقول كلمة الأسف ويتوب ليغفر الله له، أليس الله أرحم الراحمين؟!، فلمن سأقول كلمة الاعتذار، أقولها لكلّ من خيبتُ ظنه، أقولها لكلّ من جرحته، أقولها لكلّ زَلّة وقعت مني بقصد أو بغير قصد، لكلّ أولئك ولغيرهم أقول: "أنا آسف". 



مغرس محرك بحث إخباري، منقول عن طنجة الأدبيّة.

https://www.maghress.com/aladabia/118192



السبت، 22 أغسطس 2020

أقيموا عرسًا لفلسطين

 

أقيموا عرسًا لفلسطين

 

طرفان يسير كُلّ واحد منهما نحو ما يراه صائبًا، فكيف نصلح بين المتخاصمين الأشقاء؟، وخاصة أنّ التّشنج والغضب قد يفقد الحكمة في كثير من المواقف الصّاخبة، شاهدنا بالأمس انسحاب العديد من الرّوائيين الأماجد من جوائز عربيّة عالميّة لارتباطها بدولة الامارات، احتجاجًا للعلاقات الثّنائية بين الإمارات العربيّة المتحدة وإسرائيل، الاتفاق الذي أعلن عنه في 13 أغسطس (آب) 2020م، والمنعوت باسم (اتفاق إبراهيم)، الإمارات تعتبر هذا الاتفاق فتحًا لصالح فلسطين ولصالح الأمة العربيّة، باعتبار أنّ هذا الاتفاق يستهدف فيما يستهدف فيه مكاسب منها إيقاف ضم إسرائيل للأراضي الفلسطينية.

فالإمارات في نظري تحاول النّظر إلى الجانب المضيء من هذه الصّفقة، وتراه شجاعة وموقفًا رشيدًا يتحلى به الرّجل الصّعب في الزّمن الصّعب وفي الموقف الأصعب، بينما على التّلة الأخرى يرى الأدباء الكرام أنّ هذا الموقف خطأ عربيّ قاتل وقعت فيه كلًا من مصر والأردن سابقًا، وجاء الدّور على الإمارات لتكمل عقد الخطأ ولتتبوّأ المقعد الثّالث عربيًا، وهو بوابة لدخول دول عربية أخرى، يرون هذا الموقف الإماراتيّ شامة سيئة في جبين الأمة العربيّة والإسلاميّة ويصفونه بـ (التّطبيع)، فيدينون موقفها ويعتقدون أنّه من الواجب على كلّ مخلص للقضيّة الفلسطينية أن يندد بهذا الاتفاق.

حديثي ليس سياسيًا ولا يمت للسّياسة إلا في بؤرة التّماس الصّغيرة، وغايتي الانتصار إلى الازدهار الأدبيّ، لهذا أرى أنّ الانسحاب من جائزة الشّيخ زايد للكتّاب، وجائزة البوكر العربيّة وسواها، ليس حلًا، إذا كانت غايتنا العثور على الحل الأمثل، كلنا مع فلسطين، ولستُ إلا فلسطينيًا من ديار الحرمين الشّريفين، فالحجاز القبلة الثّانية، وفلسطين القبلة أولى، ولمحبتي لهذه القطعة المقدسة انتجت (القدس طابع بريدي)، وهي مجموعة قصص قصار، لم تنشر بعد، وأقول في معشوقتي فلسطين (وطني القدس)، حيث يغرد به القلب مع ألحان إيقاع النشيد الوطنيّ الفلسطينيّ؛ فأقول فيما أقول: "بلادُ القدسِ في قلبي، وقلبي فيه أوطاني، فكم من قبة تزهو، إذا ناجتكِ ألحاني؟!، وكم من نجمة ترنو، إذا غناكِ وجداني؟!، بلادُ القدسِ أعشقكِ، وعشقي رسمُ فنانِ، سأرسمُ فيكِ مبدعتي، نخيلًا .. ذات أفنانِ". 

عليه أرى أنّ الصّواب لا يتمثل في الرّد السّلبي بالانسحاب من الجوائز العالميّة لكونها ترتبط بعلاقات سياسية، بل الصحيح ردّ الفعل الإيجابيّ وهو تدشين جوائز أدبيّة فلسطينية، فالصّراخ بحجم الألم قد لا يكون مؤثرًا، مع كامل الاحترام لمن اختار الانسحاب حلًا، وهذا العام الجديد قد بدأ والنّظرة الإيجابيّة تسيرنا لتخطي المواقف الصّعبة بنظرة (موجبة)، كإقامة الأعراس الأدبيّة للقدس وفلسطين، ما أجمل القلم حين يواسي شقيقه الفلسطينيّ، ما أجمل أدب الشّجاعة الفلسطينية، الهروب الاحتجاجي لا أراه مثمرًا، بقدر ما أرى الثّمر في توجيه المداد نحو اشراقة أمل فلسطينية مرتقبة، لهذا أقول: "أصدقائي الأدباء، قدموا احتجاجكم بتقديم بضائعكم، وليكن التّوجيه فلسطينيًا بحجم الغيرة عليها"، أما بالنسبة للإمارات فإني أراها من الدّول العربيّة المخلصة والصّديقة للأدباء ولصياغة الأدب وتطويره وتطوره في العالم العربيّ برمته، الحمد لله أني لم أقطف جائزة إماراتيّة حَتّى اللّحظة، حَتّى لا يقال أني أدهن لصالحها، نؤكد أنّ الغرض من هذه المقالة ليس إلا من باب النّظر الإيجابي للأمور، ومن باب: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)، ومن باب التّفكير خارج الصّندوق إيجابيًّا، فليس صحيحًا أن يتراشق الأصدقاء، وغاية الجميع الانتصار لصالح فلسطين، اختلف معي كيفما شئت ولكن كن إيجابيًّا وتصرف حضاريًّا، من حق كلّ واحد أن يقول قولته، والأجمل أن نجمع قلوب الإخوان على دائرة بيضاويّة يحتسون فيها السّكر والعسل، لا الخل والحنظل، والمجد للأدب وللشعب الفلسطينيّ الكريم.

  

#جائزة_البوكر_للرواية_العربية

#جائزة_الشيخ_زايد_للكتاب

#فلسطين

#الإمارات

#إسرائيل


صحيفة الإعلام الحقيقي ريال ميديا

https://prealmedia.com/ar/post/31196