الجمعة، 1 أغسطس 2025

المدينة تقرأ.. فهل أبناؤك يقرأون؟

 



زيارتي للمدينة المنورة لم تكن سياحة دينية فقط، في نفس اليوم الذي تشرفت فيه بالصلاة في الروضة الشريفة، استمتعنا بزيارة معرض الكتاب. المدينة تقرأ، والأضواء هنا لا ينبعث فقط من رحاب المسجد النبوي، بل من رفوف الكتب أيضًا.


كان يمكن لزائرٍ للمدينة أن يكتفي بالصلاة في الروضة والتبرك بالمكان، لكن ما أجمل أن يُقرن النور الروحي بنور الفكر. ما أجمل أن يجتمع الركوع مع القراءة، والدعاء مع التأمل، حينها ستشعر أن للزيارة طعمًا ومذاقًا مختلفًا.


في أروقة المعرض، رأيت وجوهًا مشرقة تتصفح الكتب كما لو كانت تبحث عن كنز. أطفال، شباب، كهول، نساء… الكل يسعى نحو ما يُشبع عقله وقلبه. وهذا مشهد يبعث على الأمل بأن للكتاب روحًا لم تمت.


على الرغم من أن البعض يظن أن الكتاب لم يعد سوقًا رائجة، إلا أن هناك كتبًا حتمًا ستشدك إليها. كتب تجبرك أن تتوقف أمامها، وكأنها تناديك: “هل ستغادر دون أن تصحبني معك؟”.


رغم أن في المعرض قسمًا للكتب المخفضة ذات القيمة الجيدة، إلا أن البعض يمتنع عن اقتناء الكتاب بحجة أن أسعار بعض الكتب غالية. قلت لأحدهم مازحًا: ضع ميزانًا بينك وبين نفسك. كم صرفت هذا الشهر من أجل بطنك؟ فلماذا لا تضع في كفة العقل بعض الرصيد؟


كان الجواب هروبًا للأمام: لكن أسعار الكتب غالية! فقلت له: كذلك أسعار بعض الوجبات. فلماذا نقبل دفع الغالي للبطن ونمتنع عن دفع ما يخصّ العقل؟ قد ندفع ثمن كوب قهوة فاخر دون تردد، ونبخل بثمن كتاب يمكن أن يغيّر حياتنا!


قلت لأحد أصدقائي: الطفل الذي يعتاد على اقتناء كتاب كل شهر، سيصعب أن يُستغفل حين يكبر. من قرأ عرف، ومن عرف نجا. فمع أي فريق أنت؟ القراءة ليست ترفًا، بل هي وسيلة دفاع عن الوعي وسط ضجيج المشتتات وأمواج المغريات الترفية.


بعض الكتب تُشبه الصحبة الطيبة؛ لا تملّها، ولا تُسيء إليك، بل ترفعك كلما قرأتها. فما أجمل أن نهدي أبناءنا كتابًا، بدل أن نهديهم فقط هاتفًا أو لعبة. ما نزرعه اليوم، سنجنيه وعيًا غدًا.


نصيحتي: جميل أن تحظى بزيارة المدينة المنورة، والأجمل أن تستثمرها في تنوير عقلك. لا تُوثّق حضورك فقط بصورة من داخل المعرض، بل عد إلى منزلك بكتاب نافع، تقرأه وتُهديه. فبعض الكتب لا تستحق أن تُعرض فقط، بل أن تُحتضن وتُفتح وتُقرأ.


اصطحبتُ معي إلى المعرض فلذات أكبادي، وتركت لهم حرية الاختيار أولًا. اختاروا ما يشتهون، ثم جلسنا معًا نتصفح ونفاضل، حتى انتقينا الأفضل لهم. بعد العودة، وجدت كل واحد منهم قد استغرق في قراءة كتابه الجديد، وشعرت بسعادة غامرة.


من المهم - عزيزي الأب - أن تربط أبناءك بالكتاب. قد لا تتمكن من زيارة بعض المعارض، لكنك تستطيع أن تجعل الكتاب قريبًا من أبنائك كما تحرص على أن يكون الطعام قريبًا من موائدهم. كذلك العقل أيضًا يحتاج لغذائه، فهل وفرته لهم؟ 


نحرص - نحن الآباء - على قراءة الكتب المدرسية مع أبنائنا، وقد نتهاون في الحثّ على قراءة الكتب الحرّة. فلماذا لا نشجع على القراءة منذ نعومة الأظفار؟ لماذا نغفل عن هذه البوابة التي يدخل منها النور إلى قلوبهم؟


ما لاحظته أن القراءة تولّد في النفس بوادر العظمة. هناك عظماء نعرفهم، ونغفل عن أن الكتاب كان أحد أسرار تميزهم. فلماذا لا نجرب بأنفسنا؟


ربما لم أكن أبحث عن كتاب بعينه حين دخلت المعرض، لكن الكتاب الجيد لا يُطلب دائمًا، بل أحيانًا هو من يطلبك. والمواعيد كثيرة… لكن متى يكون للكتاب موعد؟ المدينة تقرأ… فهل أبناؤك يقرأون؟

الأحد، 13 يوليو 2025

حارب الاكتئاب في حياتك

 



هل شعرت بالحزن يومًا؟ هل عشت في دوامة من ألم ذات نهار؟ البعض يرى أن الظروف هي التي تتحكم في أشرعته، غير أن الحزن قرار، وهذا القرار بأيدينا.

يروى أن رجلًا عانى الأمرّين من فرط الكآبة، فقرر أن يصنع ما يحب في يومه.. وضع هذا الرجل لنفسه قائمة أعمال: ساعة للقراءة، وساعة للكتابة، وساعة للتنزه، وهكذا وجد نفسه في سعادة غامرة، وعرف أن السعادة محض قرار واختيار، لا يتطلب منا إلا بضع خطوات صغيرة.

صحيح أننا لسنا بدعًا من بني البشر، فكلنا عرضة لتيارات الحزن الثقيلة التي يصعب علينا انتزاعها والخلاص منها، كلنا عرضة لمغازي الفقد والخسارة والإحباط.. وتطول القائمة. بعضنا يلجأ إلى سجادة الدعاء وقراءة القرآن، بعضنا يتناول عقارًا طبيًّا أو يعقد جلسة علاجية مع أخصائي نفساني طلبًا للاستشفاء، بعضنا يلجأ للتنفيس عبر تناول الطعام أو الاستماع للموسيقى أو الترحال والسفر.

تختلف طرق التنفيس عن هذه المكبوتات والآلام باختلاف الأشخاص والطبائع. وإن بلوغ حالة الموازنة النفسية تختلف مجهوداته من فرد لآخر، كما أن حالة الضيق والكدر لها درجات، بعضها يُحل ذاتيًا وبعضها يحتاج لمساندة علاجية.

في هذه السطور القلائل سنتحدث عن بعض الدروع التي تساهم في إسقاط بعض المنغصات والكوادر، من أجل تسريح بعض هذه الأوجاع ومحاربة هذا الداء، وإليك الحكمة.

1- "إذا ضاقت بك الدنيا، فلا تنسَ أن ربك أرحم بك من نفسك": لماذا الشعور بالوحدة وأنت بعين الله؟ يا صديقي إن عينًا في السماء ترعاك، فلمَ الحزن؟ لو قلّبت حياتك ستدرك أنك محاط بدوائر اللطف فلا تحزن.

2- "لا يُثقِل الله قلبًا بحِمل إلا لأنه يعلم أنه قوي بدرجة تكفي ليحمله": الدنيا ليست مفروشة بالورود، فكل واحد فينا تقف أمامه مجموعة عقبات عليه تخطيها، وكلنا قادر على هذا التخطي بما وهبه الرحمن من قدرات، بعضها يزول بالتجزئة، وبعضها يذوب بمرور الوقت.

3- "الألم طريق للنضوج، فلا تخف من المواجهة": في اللحظة الأولى قد نستصعب المحنة، ونراها أكبر من حجمها وأنه من المحال تحملها، ولكن العبرة بالختام؛ فاقبل التحدي وواجه امتحانك بالصبر، فهذه العقبات ستنتهي يومًا كسواها، وهي حتمًا ستقوّيك وتسرّع من نضوجك، فلا تبتئس.

4- "التغيير يبدأ من الداخل، فابدأ بالإيمان بنفسك": إذا أردت التعافي والنجاح في معترك هذه الحياة، فعليك أن تثق بذاتك وتؤمن بقدراتك، إن أبواب النجاح يلزمها الإيمان بأنك قادر ومستطيع، فلمَ لا تجرّب؟

5- "كل شدة ستمضي، وكل ليل يعقبه فجر": يتشاءم البعض لوجود بعض المنغصات، ويزداد هذا التشاؤم إذا امتد واستطال، ولكن التجارب تفصح أن ما بعد الشدائد فرج، فلنملأ صدورنا بالتفاؤل ولنمنح الأمل بعض وقت.

مرّ فلاح ذات يوم بحجر صخري كبير سدّ الطريق، وبعزم أزاح هذا الصخر، ووجد أسفله كيس الذهب الذي وضعه الملك ليختبر أفراد شعبه!. إنّ هذه الهمة تستحق هذا الذهب، فأين همتك التي ستحقق لك الفوز؟

يقول مارتن لوثر كينغ: "حتى في أحلك اللحظات، هناك شعاع من النور ينتظرك، ابحث عنه".. فكم من معضلة تمّ حلها!. وكم من مشكلة مستعصية كان الحل في خاصرتها!. فلنتحرك باتجاه التفتيش ولنتعقب رأس الخيط، فالحياة تفصح بلسان رطيب أن لكل مجتهد نصيبًا، قد نعيش عتمة الليل دهرًا، ولكن الفجر يلوح في الأفق وسيأتي وإن طال السُّرى.

إننا نمتلك من الثروات والنعم الكثير، ولكن الأعين لا تركّز الإبصار إلا على المفقودات.. يقول فرويد: "من يملك الصحة النفسية يملك كنزًا لا يُقدّر بثمن"، فهل ندرك قيمة الصحة وراحة البال؟ إنّ الماضي صفحة مطوية، والمستقبل صفحة ستكتبها يراعتك، أفتركب أعجاز الإبل، أم تحتل الصدارة؟

قيل إن رجلًا وقف أمام أبواب مغلقة، وفي لحظة قرار عزم على فتحها، فوجد أحدها مفتوحًا على الدوام، فلمَ لا نحاول؟. ويُنقل أن بحّارة غرقت سفينتهم، فقرر أحدهم أن يصنع من بقاياها زورقًا، فنجا وهلك الجميع.

إننا كثيرًا ما نظن أن الحل صعب مستصعب، ثم نتفاجأ بكونه سهلًا مستسهلًا كسهولة شرب القدح!. ألم يصادفك ضياع مفتاحك وهو في يدك؟ ألم تفتش عن قلمك دهرًا وهو في راحتك؟

يُنقل أن امرأة كانت تعيش الظلام الدائم، ولم تكن تملك إلا مصباحًا مكسورًا، فتغلبت على هذا الظلام بسهولة حينما أصلحت هذا المصباح المكسور، فلماذا ننتظر الغير والحل في جيوبنا؟

يُروى أن قائدًا كان يضيع في جميع رحلاته لكونه يعتمد على آراء الآخرين، فلما اصطحب معه بوصلة ترك الضياع وراءه وكان قائدًا بحق، فلمَ لا نحمل البوصلة؟

كلنا يمتلك عقلًا ناضجًا، فلمَ لا نديره لصالحنا؟ إن حالة الاكتئاب عرض طارئ، فلمَ لا نرمق الحياة بروح مختلفة؟. يقول إيليا أبي ماضي:

أيــهـا الشــاكي ومـا بك داءُ    
كن جميلًا ترَ الوجودَ جميلا

إن نقطة الارتكاز تقع في دواخلنا، ولعل بيتًا من قريض الشعر يجبر الخواطر. يقول أحمد شوقي:

ولا تيـأسْ إذا ما ضقـتَ يومًـا فقد أضحى الفضاءُ له انفراجُ

ويقول الإمام الشافعي:

دع الأيــام تفــعل ما تشــاءُ وطِب نفسًا إذا حكم القضاءُ
ولا تجــزع لحـادثة الليـالي فمــا لحــوادث الدنــيـا بقاءُ

كل المنغصات إلى زوال، وكل عسر يعقبه يسر، وكل اضطراب نفسي له علاج ودواء، فلتدخل السكينة قلبك، وتوكل على الحي الذي يرعاك طيلة أيامك، فكل الهموم ستنقضي. ولقد صدق الشاعر قولًا:

الله عــوّدك الــجـمـيـل      
فقِسْ على ما قد مضى

الخميس، 3 يوليو 2025

لماذا لا نرفق بالصغار؟

 



في ظاهرة نبوية، كان النبي يطيل سجوده ليحتمل على ظهره الحسن والحسين، حتى إنّ بعض المسلمين ظنّ أنه خبر من السماء جاء أو وحيٌ نزل. بل كان أبو بكر يقول: "نِعْم الجمل جملكما"، ويرد النبي: "ونِعْم الراكبان هما".

بعضنا يقرأ الحادثة مرورًا ويغفل عن لطف النبي بالصغير.. ألم يبلغك مواساته لأبي عمير، حين قال له: "ما فعل النُّغَير؟!"؟ وما أبو عمير هذا إلا طفل هنئ بتدليل رسول الله، فأصبحت قصته حديث المجالس.

في زيارتي الأخيرة للروضة المباركة، اصطحبتُ معي ابني الصغير لأعرِّفه على المعالم الإسلامية، وأعقد أواصر المحبة بينه وبين نبيه، وحين اقتربنا من القبر الشريف للسلام عليه، ازدحمت الجموع فلم يرَ ابني شيئًا. هنا احتملتُ ابني من إبطيه حتى يرى ما لا يراه القصار، فأخذ يكركر ضحكًا وهو يقول: "أنت تضحكني"! كررت المحاولة وأنا أحمله من إبطيه، وهو لا يكف عن الضحك، حتى فشلت محاولاتي، فلجأت إلى التصوير، ليرى ما لم يكن يراه!

بعض الكبار لا ينتبه لرسالة النبي في الوداد مع الصغار، أليس هو الرحمة المهداة؟ أما كان رحمةً للعالمين؟ لماذا لا نتعلم منه فن الرفق والمداراة مع الأطفال؟

في لقطة ذهبية، أهدت طفلة صغيرة ترافق أباها قطعة حلاوة لابني الصغير، هنا انبثقت فكرة أن نوزع الحلاوة لكل طفل نراه أمامنا، وتسلم ابني هذه المهمة، فأخذ يلاحق الصغار ليمنحهم هداياه الصغيرة. رغم بساطة التجربة، فإننا كسبنا الكثير من الابتسامات، حتى من الآباء المرافقين، لهذا عقدتُ في عقلي ألا أنسى كيس الحلاوة حين أزور النبي.

الصغير أبسط معروف يفرحه، وكانت أمي تقول: "من أفرح صبيًّا أفرح نبيًّا"! فهل ندرك فعلًا أهمية إدخال السرور على قلوب الأطفال؟ تعلمتُ من المعلمين القدماء توزيع الحلاوة على الطلاب، وحين نفذت التجربة، كان لها مفعول السحر.. أصبحت المدرسة رحلة تنزه وغرفة بهجة، وما القيمة المالية إلا حفنة ريالات بسيطة.

كم ابتهاجًا ستصنع بكيس حلاوة صغير؟ ليست القيمة في هذا الكيس العجيب، بقدر ما هي في هذا الشعور الذي يسكنك باللطف على الصغار وخلق المودة معهم، ومن نبينا محمد نتعلم بوادر اللطف. كم منا من سمع أو قرأ المأثورة النبوية:"يا أبا عمير ما فعل النغير؟"، دون أن يفهم المغزى أو يلمح المعنى!

أنا لا أقول لك كن جملًا وبعيرًا لأبنائك، بل أقول لك: تنبّه لتواضع النبي ومودته الصغار.. من أراد طريق الجنة فليسلك الآثار النبوية، وبالفعل سيصل. ألم يصل سراقة بن مالك إلى غار ثور في يوم الهجرة، حين اقتفى الأثر؟ وأنا أقول لك: هناك آثار معنوية لا تزال عالقة وتنتظر الاقتفاء؛ فلِمَ لا تجرب السير خلفها لترى النبي؟

لقد رأيته في عالم الرؤيا، وسترى بنفسك أن ابتسامته، إذا وُضعت في كفة، وكل ما في الدنيا في كفة، لرجحت ابتسامته. فلماذا لا نتعلم منه سر الابتسام، وفن اللطف، وسعادة الحياة؟ لماذا لا تكني صغيرك بأبي عمير أو بأي كنية تليق به؟ لماذا لا تسأل ابنك عن حال حيوانه الصغير كما فعل النبي؟ لماذا لا تطيل السجود إذا ارتحلك أحد أبنائك؟ أليس لنا في النبي خير قدوة؟ فلماذا نقسو على الصغار؟ ونحمل العصا ونمارس الصفع والتقريع؟

إن سلوكياتنا ابتعدت كثيرًا عن نبراس الاقتداء.. نتشدق بالمعلومات، والواقع مُزرٍ! فلماذا لا نفتح صفحة التعلم كما يفعل طفل الابتدائية؟ لنكتب أبجديات الأخلاق في مدرسة الحياة، لا بحمل القلم والتدوين، بل بالفعل والمشاركة. ابدأ بتوزيع كيس الحلاوة لتمرّن قلبك على اللطف.

كنت أرى رجلًا يطعم الحيوانات في الحديقة كل يوم، وكأن إطعامهم فريضة، فماذا استفاد هذا الرجل؟ إننا نتخم الحاويات ببقايا الطعام، وليس للحيوان في زادنا نصيب! لاحظ كيف يعلمنا النبي درس اللطف؛ فحين يأكل تمرًا يعطي النوى لدابته.. فأين تذهب بقايا طعامك؟

اللطف ليس مقالات نقرؤها، بل سلوكًا نخطو به في الحياة.. جرّب الاقتفاء، فقد تصل إلى رفيق الجنة، الذي يسرك إذا نظرت إليه، ويُتحفك بالعطر الطيب.

الخميس، 26 يونيو 2025

هل هجرنا الهجرة؟

 



في كثير من الأحيان تغيب عن الشعوب بوصلة الوعي فلا تلتقطجواهر الهوية التي تنتمي لها، فتمر علينا الأيام والمناسبات وكأنهاأعلام باهتة لا معنى لها ولا قيمة. إننا لا نحتفظ بتواريخ الأيام الهامة،ولا نحتفي بالمناسبات، أيام التقاويم أمست متماثلة ولا ترمز لحكاياتيجدر أن نرويها للأجيال، وربما احتفلنا بأعياد الآخرين وتملصنا منأيامنا الخالدة، أليس في هذا ضياع لهويتنا وتراثنا ومجدنا؟


لماذا لا نعبر عن الوجهة التي ننتمي لها؟ والمحطات التي نرتضيهاوتغذّي انتماءنا وتضيء دروبنا وتعلي من شأن أمتنا في كل عام،والسؤال الآن: ماذا يعني لنا أفول شمس ذي الحجة وبزوغ فجرالمحرّم. هل يعني لنا هذا اليوم شيئًا؟ أم أنّ هذا السؤال فاتر خافت؟هل هجرنا الهجرة؟


هل تناسينا دلالاتها العميقة، ومغزاها التحويلي، حتى أضحت ذكرىعابرة في تقويمٍ لا يلامس الذاكرة والوجدان؟ أأصبح أول العامالهجري مجرد يوم كبقية الأيام بلا دلالة ولا معنى؟ رأس السنة الهجرييتكرر كل عام وهو توقيت تأسيسي مهم لهويتنا ووعينا، فلماذا هجرناهمن قلوبنا قبل أن يهجر من عاداتنا؟


الهجرة مشروع


الهجرة النبوية ليست حادثة ذكرى بل هي مشروع، ينبغي علينااستحضاره واستعادته، وحتى ندرك ذلك فلنتأمل هذه القصة. يُحكىأن أمةً كانت تئن تحت وطأة الظلم، تم محاصرتها وتضييق الخناقعليها فلم تعد ترى في الأفق إلا سوادًا قاتمًا. غير أنّ قائدها، لم يرَفي هذه المحنة إلا علامات البداية. حيث كان الحل يكمن في الهجرة،لم يكن هذا الحل هروبًا من اضطهاد، بل كانت تحوّلًا عميقًا وجذريًّا،من مرحلة الضعف إلى مشروع القوة.


النبي محمد ﷺ لم يخرج من أرض مكة، بل خرج من زمن الضعفإلى زمن القوة والتمكين. إنه حمل الإيمان في القلب، والخطة فيالعقل، واليقين في الروح. لم تكن هجرته ضربًا من العشوائية، بل كانتهجرة محكمة مدروسة من قائد محنك يرى الغد قبل أن يحلّ فيضيافته. لقد قرأ المستقبل بعين البصيرة، وتوّج المعرفة بالفعل، ساربحكمة فائقة، ورسم خارطة بناء أمته بعناية، أفلا يستحق هذا الحدثأن يُحتفَى به؟ أن يكون له وقع خاص في حياتنا؟ في كل يوم منمسيرته كان لنا درس، فلماذا نغيب هجرته والحكمة المستقاة منها؟والسؤال الآن لك يا صاحبي: ماذا تستفيد من أحداث الهجرة؟ هلترى الهجرة حدث يستحق الذكر؟ أم مجرد مناسبة عابرة لا قيمة لها؟


هجران الهجرة


أليست الهجرة النبوية أساس من أساسات هذه الأمة؟ وجذر رئيس منجذورها؟ فلماذا ننسى أحد أهم الدعائم لهذا البنيان الشامخ؟ إننا لانتحدث عن غياب الاحتفاء، بل نتحدث عن عمق وجداننا المرتبك. عنهويتنا الضائعة المرتعشة، عن هذه الهوية التي تتنازعها التقاليدالموروثة والمؤثرات الغربية الجارفة. يا صاحبي ماذا تفسر احتفاليةبعض الشعوب العربية والإسلامية برأس السنة الميلادية وغياب حدثالهجرة النبوية؟


أليس في هذا تيه عن ماضٍ مشرفٍ ومجدٍ تليد؟ لماذا لا تعتز الأمةالإسلامية بأمجادها، والله يقول: “وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍلِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ”. إننا لا ندع مناسبة مستوردة إلا واحتفلنا بهاوسلطنا الإضاءة على أحداثها، إننا نلهث خلف أضواء الآخرين، بينماكنوزنا التاريخية الثمينة تُهمل، وتغيب عن وعينا. إن الهجرة صنعتدولة ورجالا، وفوق كل ذلك قيمًا ومبادئ خالدة، إنّ الهجرة مشروعحضاري كبير، أفلا يستحق أن يُحتفَى به وتسلط الإنارة عليه؟!

 

لماذا لا نوّزع التقويم الهجري ونتهاداه بذات القوة التي نصنعها معالتقويم الميلادي؟ للأسف الشديد، لم يعد هذا التقويم حيًا في وجداننا. لقد أصبح رقمًا على بطاقة هوية أو تاريخًا في وثيقةٍ حكومية، فلماذا لايتناغمُ إيقاع شعورنا معه؟ ولماذا لا يُنَظِّمُ تاريخهُ مسارات حياتنا؟ ياويح قلبي على هذا التقويم، لقد هجرنا الهجرة، فماذا بقي؟


إن هذا التقويم يعيش في غرفة الإنعاش… ألم يكن لهذا التقويمبصمة في حياتنا؟ فما عدا مما بدا، لقد انحسر هذا التقويم ويكاد أنيندرس، فلماذا لا نراجع واقع الحال قبل أن تطفئ شمعته!!


إن هذا التقويم بدا مهملًا، فلا يتذكره إلا موظف الأرشيف وكاتب العقدالشرعي، وما لف لفهم، فهل سنفقده تمامًا في الأعوام القادمة؟! هلغدونا أمةً بلا مشروع؟ بلا نبض؟ بلا تاريخ؟ بلا ذكرى أمجاد خالدة؟هل نحن بالفعل أمةٌ باعت حضارتها وهويتها لحساب الآخر؟ أم لايزال فينا رمق يكافح من أجل البقاء؟


لماذا هجرنا الهجرة؟


التقويم الهجري ليس أرقامًا تُطبع، بل تاج يُتوّج، وخارطة تُتبع،وبوصلة تُرشد. فيه تخليدٌ لأعظم حدثٍ عرفته الأمة، حين هجر النبيﷺ وطنه لا طلبًا لنجاة، بل لإعلاء كلمة التوحيد. فلماذا لا نتوحد معه؟علينا أن نُثَمِّن الرموز ونفخر بالهوية؛ أليس في العلم الأخضر شهادةلا تُداس، وقمة لا تُقاس؟ كذلك الهجرة… ليست حدثًا نستذكره، بلوريد لا ننفصل عنه، ونبض لا نعيش بدونه.


فلماذا هجرنا الهجرة؟ هل هو خوف من البدعة؟ أم أنّ كل دعوة فيهاتأمل ووعي هي محل ريبة؟ أم هو غزو ثقافي تشربناه، فلا نعرفأهمية الأحداث إلا إذا أشار الغرب لأهميتها؟ فكيف نهمل حدثًا بهذهالأهمية القصوى، التي أدركها الأقدمون ونساها اللاحقون؟ هل نحتاجلمفكر أو كاتب ليوقد لنا الشعلة؛ حتى ندرك ما وصلنا إليه من جفافٍوجفاء؟ هل أدركنا المعنى؟ هل امتلكنا الوعي؟ إننا لا نتغنى بالتاريخ،بقدر ما نستنهض به، فالقضية ليست غنوة بل مشعل أصالة ونهضةوإفاقة.


العودة إلى الهجرة


قد يفهم أحدهم أننا ندعو لإحياء المفرقعات وإبهاج السماء بالألعابالنارية، وهي طبيعة الكائنات القشرية، إننا لا نحتاج لإيقاد الشموعفي الخارج، بل إيقادها في الداخل، ففرق بين من يتعلق بالزينة ومنيتعلق بالمبدأ، الهجرة ليست مناسبة، بل محطة تحول، الهجرة دعوةداخلية لكل خير، ترك الظلام والاتجاه إلى النور، ترك الكسل والنهوضبالفعل، ترك التقليد واعتناق التجديد، التخلص من التبعية والتحليبالريادة.


يا صاحبي لماذا لا نربط رأس السنة الهجرية بجلسة تأمل؟ بقراراتشخصية؟ بخطوات تغيير جماعي؟ لماذا لا نكتب عهد قرار كل عام: “هذا العام سنهجر الكسل… سنهجر القسوة… سنهجر التردد…”. لماذا لا نُطلق حملة توعوية أو رمزية: “لا تهجر هجرتك”، فلنربط هذاالتقويم بأحداثنا، بنبضنا، بسائر شؤوننا، لا من حيث الشكل فقط، بلبالمعنى والمضمون والوعي.


الأثر والخلود


هل توقع المهاجرون أن هذه الهجرة ستؤرّخ، وتكتب كل يوم على سبورةالمدرسة؟ وعلى أول صفحات الصحف؟ ما كان يتوقع بلال الحبشي أوصهيب الرومي أو سلمان الفارسي أن يغدو اسمه منارًا خالدًا وإيقونةتكرر كل يوم، هذا التاريخ حقق الخلود من ذلك الأثر، فماذا عنك ياصاحبي؟ هل ستستضيء من هذا الدرس فتكون شعلة إنارة ومشروعحياة؟ أم أن الرسالة لم تصل بعد؟


إننا لا نتحدث عن الهجرة بصفتها تاريخًا أو روزنامة تمزق أوراقها معتقادم الأيام، إننا نتحدث عن إعادة الهجرة لحياتنا، نصدر بها وعيناوثقافتنا، أن ندرك جيدًا أن هجران الهجرة يعني هجرانًا لهويتناوحضارتنا ومستقبلنا.


يا صاحبي هل التحقت بقوافل المهاجرين؟ أم ما تزال واقفًا على قارعةالطريق؟ يا صاحبي لا تزال الهجرة ممكنة، ولم تنتهِ قوافل المسافرين،يا صاحبي الهجرة ليست أثرًا على وجه الرمال، بل هي وقع علىشريان القلب، الهجرة دماء داخلية تسير في الأوردة، فمتى ستحييهجرتك في أعماق وجدانك؟

الجمعة، 20 يونيو 2025

أدر مواقفك بحكمة

 





أنت الآن تصوغ حكايتك في هذه الحياة، وكاميرا التصوير توثق مسيرتك وتلتقط فيلمك الخاصّ، فالضوء الأخضر مُفعّل؛ فلمَ لا تبتسم؟ ابتسم وأدر مواقفك بحكمة.. للأسف، ليس أمامك إلا حياة واحدة، فاجتهد لتتألق بها وتتميز فيها، لتشع وهجًا ونضارة وأناقة.


شاشة الكاميرا تتكون من عدة بكسلات صغيرة تكوّن الصور والمشاهد، أما فيلم حياتك فعبارة عن عدة مواقف.. سلط الضوء على كل موقف بحياد ودقة، وابرع في تقديم الحكاية، واعلم أن الأواني الفارغة تحدث ضجة أكبر من الأواني الممتلئة، فليس الاعتبار بمقدار الضجيج الذي تحدثه حياتك، بل بما تحتوي من مواقف مليئة بالحكم والجواهر.


ضع أصابع يدك على معزوفات الواقع، ولنتدارس النوتة الواقعية باهتمام، لو انتشلك زائر الرحلة الأبدية وانقطع عملك من هذه الحياة، ما هي الإنجازات التي قدمتها؟ أأنت راضٍ عن حياتك، أم تحتاج لمزيد جهد لتنحت تمثال عطائك؟


لو دققت النظر في فصول حياتك فستجد فراغات لم تملأها بالشكل الجيد، وإليك الحكاية لتتضح لك الصورة. وقف دكتور جامعي أمام طلابه ووضع كرات البلياردو في وعاء فارغ، وقال: هل امتلأ الوعاء؟ قالوا جميعًا: نعم.. فأخرج لهم كيس حصى صغيرة وملأ فراغات الوعاء وقال: هل امتلأ الوعاء؟ قال الجميع: نعم؛ فأخرج لهم كيس رمل وملأ الفراغات في الوعاء، وقال: هل امتلأ الوعاء؟ قالوا: نعم.. ثم أخذ قارورة ماء، وسكبها في الوعاء ليسد الفراغات المتبقية!


إن هذه التجربة البسيطة تحثنا على دراسة أوقاتنا بعناية، لنعرف هل شغلناها فعلًا بالتدابير الصحيحة وبالترتيب الأصح؟ لماذا لا نتفكر في خطة العمل، ونعيد ترتيبها بدءًا بالأهم فالمهم، ثم نشغل وقت الفراغ بما هو مناسب؟ علينا مكافحة إهدار الدقائق المهملة، فهي أثمن رأس مال لدينا، علينا أن نعيد التفكير في إدارة أوقاتنا ومواقفنا الحياتية من أجل التصحيح للأفضل.


يُحكى أن صيادًا كان يلقي بالسمك الكبير في البحر ويحتفظ بالسمك الصغير!. هذه الظاهرة أثارت بعض المشاهدين، فلمّا ألقى عليه السؤال أحدهم مستفهمًا، كانت المفاجأة في إجابته العصماء، وهي أنّ المقلاة التي في حيازته لا تتسع إلا للحجم الصغير من السمك!


هذه الحكاية الطريفة تكشف عن سذاجة البعض، ولكن ألا نقع نحن في ذات المطب، وفي أمثال هذه الفخاخ بصورة مختلفة؟ لماذا لا نوفر لنا مُخْرجًا ينتقد المشاهد اليومية التي نعيشها قبل انقضاء الفيلم الذي نصوّره؟


النقد الذي ننزعج منه كثيرًا قد يميط اللثام لنا عن بعض عيوبنا، وقد نفيق على مواقف قاتلة نمارسها بشكل دوري، الملاحظات الأخوية نحتاجها بشكل مستدام لكونها تمثل دور صاعق الإفاقة. 


هل شاهدت ذبابة تروم الخروج من زجاجة نافذة مغلقة؟ حتى لو لم تستسلم هذه الذبابة ستوافيها المنية وهي تصارع للخروج، الأجدى بهذه الذبابة أن تبحث عن مخرج آخر، فقد يكون الباب مشرعًا ومفتوحًا وهي لا تعلم!


لننتقل إلى تجربة أخرى.. وُضع فأر في متاهة، ووُضع تحديدًا في زاوية بعيدة عن قطعة جبن، بذل هذا الفأر كامل المجهود حتى وصل لجبنته الشهية والتقمها. أعيدت هذه التجربة عدة مرات بوضع قطعة الجبن في مواطن مختلفة، وكان الفوز حليفه في كل مرة!


الخلاصّة أن الإصرار في مثال الذبابة ضرب من الجنون، وفي مثال الفأر مكسب وفوز، والحكمة المستقاة هي أن علينا أن نتأكد أننا نزاول العمل الصحيح في المضمار الصحيح.


من هنا جاء دور أهمية إعادة  التفكير في إدارة المواقف؛ ردود أفعالنا قد تكون خاطئة أحيانًا، وبعض العادات التي نمارسها قد تحتاج لتمحيص، فلماذا لا نُخضع الأفعال للنقد؟ يتحسس البعض من تدخل الغير بشؤونه رغم أن هذا التدخل قد يكون قارب الإنقاذ وطوق السلامة، فلماذا لا نتشبث بحزام الأمان؟


لقد قيل في الحكم: "هلك من ليس له حكيم يرشده"؛ وكثير منا هالك لفقدان هذا الحكيم المرشد.. كثيرًا ما يكون دور الصديق كشف العيوب، إلا أنّ الصداقات بدأت تتقلص عدديًّا، وغالبًا ما نفضل أن يلزم هذا الصديق قفص زنزانته ليبقى هو الصديق الصدوق الذي نهواه، لهذا عليه ألا يتخطى حدودنا الجغرافية ومجالنا الجوي، حتى هذا الصديق المخلص بدأ يلجم نفسه بلجام السكوت كي لا نتحفه بلقب معلب جاهز، مثل: متطفل، حشري.. وتطول القائمة.


والسؤال الجوهري الذي نطرحه: كيف لنا أن نكتشف الأخطاء العميقة دون أن توضع تحت مجهر التدقيق والفحص؟


إن حياتنا لا تزال مستمرة، وعدسة التصوير لا تزال ترصد العيوب المستدامة، فإذا أنفنا انتقادات الغير، فلنحذر التعجل والارتجال، ولنحسب المكاسب والخسائر قبل تنفيذ القرارات حتى لا تتوغل الكارثة.

الجمعة، 16 مايو 2025

اتّبع مسلك الناجحين!‎



قل لي كيف ترى نفسك، أقل لك من أنت أو ما ستكون عليه!

‎البعض لا يعيش الحرية في حياته، والتبعية تملؤُه حتى أخمصيه، لذا ننصحك أن تكون مستقلًا بذاتك، وألا تكون أداة بيد غيرك، يحركها كيفما شاء، ويتخلص منها وقتما شاء.. ركّز على ما تعتقده في نفسك، فالفرادة جوهرة التاج الذي توّجك الله به، فلا تحرم نفسك من تميزك، ولا تجعل شخصيتك نسخة كربونية لغيرك، فأنت أغلى وأنفس من أي حجر كريم.


نعود للنجاح، ونقول لك إن منطقة النجاح بعيدة كل البعد عن الفشل والفاشلين، فإذا لم تستطع تحديد الإحداثيات فتجنب المنطقة الموبوءة بحسك بالفشل، وكما أن النجاح مُعْدٍ فالفشل كذلك، لذا إياك أن تستمع لشخص يحاول إحباطك وجرّك للخلف، يلزمك ممحاة وقلم أحمر.. الممحاة لتمسح من ذهنك كل فكرة سلبية علقت برأسك، والقلم الأحمر لتشطب به على كل وسوسة تحاول إعاقتك.


والآن يا صديقي إليك السؤال: هل تعرف نقاط قوتك ونقاط ضعفك؟. ببساطة، عليك أن تضع نفسك في المُنخُل، فنقاط الضعف عندك عيوب ستبقى طافية في غِربالك، وعليك التخلص منها في أقرب فرصة، أما نقاط قوتك فهي مزايا ستنفذ من ثقوب المُنخُل وعليك المحافظة عليها، فهل لديك هذه المصفاة التي تفرز القشور والشوائب عن اللباب؟


ثقتك بنفسك جسرك للنجاح، وهذا النجاح بذاته جسر لثقتك بنفسك، كلاهما موصل للآخر، المهم أن تبدأ الآن لتربط الضفتين بجسر، فبإمكانك أن تسبق الآخرين لو أردت، وهذا السبق يلزمه طريق مختلف لتختصر به المسافات، وستصل لما لم يصل إليه أحد قبلك.


هل سمعت مرة كلمة مستحيل، ثم تحقق ما يقهر هذا المعنون بالمستحيل؟ إن لديك القدرة على كسر زجاجة المستحيلات، فمتى سيخرج المارد من قمقمك؟. قل لنفسك دائمًا: وجد المستحيل ليخترق، فلماذا لا يكون حلمك ذاك المستحيل الذي يستحق منك محاولة تخطيه أو الظفر به على أقل احتمال؟


همسة صادقة نسوقها إليك: لا تبتئس من بداياتك؛ فقد تكون الآن يرقة ضعيفة حقيرة، ولكنك بعد اكتمال الطور الذي تغرق به، ستكون فراشة زاهية تخلب الألباب!. فقط امنح نفسك وقتًا، واجعل الطبيعة تدور دورتها، فلن يأتي الربيع إلا بعد انقضاء ثلاثة فصول.


إذا أردت النجاح فاتبع مسلك الناجحين، وحتى نضرب لك مثلًا نسوق إليك ناجحًا لا اختلاف عليه، رغم ضعفه وضآلته!. إن الناجح الذي نعنيه هو النملة، فهلا تأملت كيف تدير حياتها؟ تأمل لعلك تجد ضالتك لديها.


النملة تكدح وتتعاون مع جيش عظيم من بني جلدتها لتكتمل تلك المستعمرة المليئة بالمدخرات، حتمًا لن تركع هذه النملة الضعيفة أمام صقيع البرد القارس، رغم هوانها وضعفها، لماذا؟ ببساطة، لكونها عرفت ضعفها وعرفت قسوة الحياة، واتخذت التدابير اللازمة لمجابهة الظروف القاسية.


فلماذا تتفوق نملة وتخسر أنت؟ ألست أكرم عند الله من نملة؟ إذا أردت الثراء فعليك بالادّخار والاستثمار، إذا أنفقت جميع دراهمك فستتبخر من راحتك الثروات، لهذا ضع نصب عينيك الحكمة: "احفظ قرشك الأبيض ليومك الأسود".


فلماذا لا نتعلم درس الادخار من حكمة النمل؟ جرّب ولو لمرة أن تكون نملة في تفكيرها، وستتغلب على الصقيع! جرّب ولو لمرة، فالتعاون والادخار والعمل الدؤوب بلا كلل ولا ملل هو بداية الطريق، كن نملة لعام واحد لتعلم الفرق بين النملة والصرصار، الذي يغني طيلة الصيف ويطرق باب الآخرين طيلة الشتاء!


إن ثقافة النملة أنقذت أمة، وهذا ما ساقه يوسف الصدّيق لعزيز مصر: {قَال تزرعون سبع سنين دأبًا فما حصدتم فذروه في سنبله إلَّا قليلًا ممَّا تأكلون}.. جرّب ادّخار ما لديك وجرّب عدم تبديد الثروات، اعمل وادَّخر، واقتفِ أثر النمل، في غضون سبع سنوات ستمتلك الحرية الاقتصادية التي ترومها.

ذات مرة شاهدت قطعة خبز صغيرة، هجمت عليها نملة مفردة لم تتمكن من حملها، وبعد ساعة تمكنت هذه النملة من نقل القطعة إلى مسكنها بمعونة فريق من الزميلات!. بصراحة، لا أعلم المماحكات والمحاصصات التي تم إبرامها بين هذا الفريق، ما أعرفه أن هذه النملة حصلت على مرادها، وأظن الجميع كسب من هذه الصفقة، المهم هو الدرس الذي نتعلمه، وهو أنّ من أراد أمرًا بلغه.


عفوًا، قد لا يكون الجميع بإخلاص النمل، هناك ذئاب لا تأكل بعضها بخلاف بني جلدتنا الذين يستمرئون أكل بعضهم، بالطبع ليس الجميع كذلك، ولكن الحذر واجب قبل فتح صندوق الانتخاب، احذر ممن له صوت الفحيح، احذر ممن يرتدي فروة الحَمَل، احذر أثناء دخولك عالم الاستثمار الذي قد يقودك للفشل، احذر من الطمع الذي تعقبه خسارة، فالادّخار أشرف لك من زيادة المال دون بصيرة.


كن كالنملة، تعمل كثيرًا وتدّخر أكثر مما تأكل، لتصحو ذات ليلة شاتية تستطعم أكل الكستناء.


9%86

احذر من العلاقات السامة



تصور أن أمامك رجلًا محترمًا تحسب له ألف حساب؟، هذا الرجل المحترم يهابه الناس، لهذا يخلقون الكثير من الحواجز النفسية لمخاطبته، ويغفلون عن كونه بشرًا.


‎هذا الرجل المهاب المتزن ذو الملابس الفاخرة سيتحول في لحظة إلى شخص آخر في ثوانٍ معدودة، إذا أهان شخصًا ما بصفعة، ردود الأفعال البشرية كثيرًا ما تكون طفولية وهمجية وملوّنة بتلاوين الحيوانات المفترسة، فالمناطقة حين يصفون الإنسان بكونه حيوانًا ناطقًا، لم يجانبوا الحقيقة، فلو جردته من ملابسه ولا حظته في أسوأ حالاته وغضبه، لن تفرق كثيرًا بينه وبين سائر حيوانات الغابة.


‎كثيرًا ما نشاهد الفرقعة البصرية حين يظهر الإنسان المتأنق على طبيعته الحيوانية البسيطة عند أتفه مشاجرة، لهذا يبتعد البعض عن التعامل مع الناس، ويقول: "اعتزال البشر مأمن، وفراق الناس عيد"، فكم من سلامة حليفة المنزوي، لما يصدر من الحماقات البشرية.


‎لهذا يعتقد الكثيرون أن الغنيمة في الابتعاد عن مصادر التوتر، والهروب من بؤر المشاحنات، فإذا لم تكن ضمن فرائس النزاعات، قد ينالك بعض الشرر، حينما تدنو قليلًا وتقترب.


‎فالحكيم يسحب رجليه عن مجالسة كل نَزِقٍ خَرِق لا يضع لنفسه لجامًا، وكل شخص عرضة للتعامل مع شخص ما هو بركان في صورة رجل، أو رجل حقيقته مصاص دماء في ثوب حمل وديع، إذ يتربص بك الدوائر وينتظر منك أقلّ ثغرة لينالك منه اللّهب ويلتهمك دون ملعقة!


‎ماذا لو عرفت أن دخولك في طريق ما سيوقعك في مصيبة قاتلة؟، هل تجرؤ على الدخول؟، الجواب العقلائي أنك حتمًا لن تخطو خطوة في ذلك المنزلق.


‎والتعامل مع بني البشر بمثابة الخوض في الممرات والطرق، بعض هذه الممرات مليئة بالزهور العاطرة والحدائق الناضرة، وبعضها الآخر مفروش بالأشواك وحساؤك السّعْدان والقاذورات، بمعنى أن هناك علاقات سامة، قد تدفع ثمن ارتباطك بها، لهذا عليك الحذر ثم الحذر قبل عقد هذه العلاقات.


‎يروى أن فتاة تسمى هديل تعلّقت بفتى أحلام اسمه خالد، كان خالد هذا نموذجًا ساحرًا في عيونها في بداية العلاقة، ومع الوقت أدركت أنه مجرد مرض لا تستطيع الخلاص منه، في بداية الأيام كان يقدم خالد لها الورد والهدايا مع ابتسامة واسعة تشي بأنه معجب بكل ما فيها، ومع الوقت أخذ يعرض لها مجموعة من النصائح الوديّة التي تحوّلت فيما بعد لانتقادات لاذعة أفهمتها بإحساس عدم الجدارة والكفاية، هذه كانت البداية ثم تضاعفت الأهوال حيث اتهمها بالخيانة!.


وكثيرًا ما كانت تكتشف أنه كان يتلصص عليها ويفتش في مقتنياتها بصورة مقززة ليضعها في قفص الاتهام، ورغم كل تصرفاته الهوجاء تلك كان يغلف هذا السجن بالحُبّ والحماية.


‎غرقت هديل في مستنقع الحزن ولفّت بها الكآبة السوداء وانعزلت في شرنقة الوحدة وشعرت بالاختناق من براثن زوج المستقبل حتى إنها فكرت بالانتحار لولا سماعها آية تخاطبها تقول: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)، على الفور أوقفت محاولة الانتحار، ثم أدركت أن مغزى الآية أبعد من ذلك، وهو الخلاص من هذا الزوج القاتل، فالقتل المعنوي أمرّ وأدهى.


‎طلبت المعونة من صديقة مقربة وشكت إليها الأزمة باكية، هنا بدأت لحظة التنوير وانفكاك حلقة العقدة، وقالت لها بالحرف: "ابتعدي عن كل علاقة سامة، فأنت تستحقين الأفضل"، وبصعوبة بالغة تمكنت هديل الخلاص من هذا الشبح الذي يفري أوداجها على مهل.


‎هذه القصة الواقعية قطرة من ملايين العلاقات السامة التي تصيب مجتمعاتنا وأسرنا، تستهلك منا الطاقات وتغيبنا في دوامات نفسية صعبة لشهور وسنوات، فمتى سنوقف هذه العلاقات الخطرة؟


‎لو رجعنا لسجلات الجرائم كوقائع القتل والاعتداء، لوجدنا أن الباعث الأولي لها تافه من التوافه، هذه الشرارة البسيطة توافقت مع وجود شخص متهيّج نفسيًا وعصبيًا نستطيع أن نسميه لغمًا بشريًا قابلًا للانفجار.


‎في مرّة من المرات دوّى في الصحافة مصرع بائع سندويتشات في بوفيه محلي أشهر عليه أحد الزبائن سكينًا وأنهى حياته في غضون ثوانٍ بالسلاح الأبيض، وثّقت كاميرا هذا المحل بداية النزاع، وانتشر هذا المقطع كالنّار في الهشيم. السبب الظاهر ليس الشرارة الحقيقية لذلك المصرع المفجع، بل هذه النفس البشرية القابلة للتشظي والفتك.


‎البعض يرجع العوامل لما تكتبه المفاجآت، ويغفل أننا ضمن حلبة هذه اللعبة وأحد مسببات هذه الكارثة، فمن يسحب فتيل القنبلة لن يسلم من دفع الثمن، في مرَّة من المرات أثار أحدهم حفيظة شخص فألقى الأخير عليه الشاي فلوث ملابسه، قد تكون عاقبة هذه الحادثة محتملة، وقد تفرز تشوهات مستدامة لا علاج لها إذا كان القدح ساخنًا.


‎نستطيع سوق جملة من نصائح التعامل مع الآخرين لتقليل الأضرار منها: الحذر من الغرباء، وتقنين التعامل مع الفئة المقهورة، وتحاشي الحديث مع الفرد الغاضب، والترفع عن المزاح مع من لا يستطعمه، فرب مزحة صغيرة ولدت وقائع كبيرة.


‎فهل يدرك صاحب السيجار خطورة مروره بمنطقة التسريب الغازي؟، لا تتعجب لو أبصرت مشهدًا يُتَداول لسيجارة بسيطة ولدت حرائق كارثية، فلماذا نستصغر مستصغرات الشرر؟، وما النار العظيمة إلا إحدى نتائجه.

الخميس، 20 مارس 2025

الصدقات وعجائب تُرْوى




هل ضاع منك مبلغًا من المال وشعرت بالأسى؟ هل خسرت بعض مالك ذات يوم؟ هل تذوقت مرارة النفقة على أمر لم تجني منه أي فائدة؟ الحياة تضعك على محطات الفقد بشكل أو بآخر، الحديث يرتبط بالإيمانيات والمعتقدات، وتحديدًا في أمر الصدقة، فهناك معتقد لدى الكثيرين يصرح أن الصدقات تنمي المال وتجنب الخسائر، البعض يدفع صدقة قبل أن يبدأ في مشروعه أو أي أمر يهمه، البعض لا يضع أقدامه في سفر دون أن يخرج من محفظته بعض الدراهم، يعتقد الكثير في أهمية الصدقات في دفع المكروهات وجلب المنافع والخيرات، سمعت الكثير من المواقف وقرأت الكثير من الحكايات التي ترغب في دفع الصدقة، حتى أن البعض يروي آثارًا عجائبية عند دفع مبلغ زهيد لفقير أو محتاج، البعض يقول: "إنفق بعض ما لديك وتأكد بنفسك".


البعض يقول متهكمًا: "ما ضرك لو دفعت بعض القروش الزهيدة لتجنبك خسارة متوقعة أو غير متوقعة"، والخسائر على أنواع واحدة منها الخسائر المالية، فقد تخسر في صفقة تجارية أو معاملة بنكية أو تقع فريسة مخالفة مرورية أو يتعطل لديك جهاز لم تحسب له حسابًا، والأمثلة لا حصر لها. يقول التابعي الشهير سعيد بن المسيب مخاطبًا نفسه: "ماذا فعلت؟"، حينما عثرت به دابته، أي أنه يرى أن عثرات الفرس والدواب مرتبطة بأفعال صاحبها، هكذا يعتقد وكأنه يفرغ عن معنى الآية التي تقول: (ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّـهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ).


كثير منا لا يتفكر فيما تؤول إليه الأمور، فهل تعرفنا على جواهر المسببات ومباعث تكونها؟ ألا يعقل أننا السبب الأساس في تراكم كثبان المصائب التي نتعرض لها كل يوم؟، ماذا إذا كان غياب البشاشة والعبوس في وجوه من حولك له ثمن ويترتب عليه بعض الكوارث؟


هناك رأي يعتقد به البعض أن سوء تعاملنا مع الغير له فواتير باهظة من صحتنا وثروتنا وتطول قائمة مستردات الديون، سؤال عفوي نطرحه عليك: هل الذنوب والمعاصي تبدد النعم؟ وتحجب البركة؟ وتحرمنا من توافر الرزق؟


تحدثنا سورة القلم عن حكاية أصحاب الجنة الذين اتفقوا على البخل بما في أيديهم فأصبحت جنتهم كـ (الصريم)، والصريم هو الليل البهيم المظلم. في حكاية واقعية يدخل أحدهم فجأة غرفة والدته فيسمع هذا السؤال: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّـهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً)، في البداية ظن أن هذه الآية صدحت مصادفة، لكن التسجيل كرر عليه ذات الآية، وكأنها تخاطبه، فقال على الفور: "أنا يا رب"، لكنه نسي دفع الصدقة، فلما رجع لأمه سمع آية أخرى تخاطبه: (وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً)، فاقشعر بدنه ووقف شعر جسده وقال: "حالًا وفورًا"، ومن هنا بدأت رحلته مع دفع الصدقات. نهاية الحكاية أن راتبه تضاعف ثم تطوّر عمله ليربح خمسة أضعاف ما كان يجنيه.


حكايات البر كثيرة ولعل كلّ واحد لديه حكاية يرويها، سمعت قصة تقول أن أحدهم رجع إلى وطنه ليكتب وصيته بعد أن عرف أنه مصاب بمرض خطير، ومن خلال نافذة منزله شاهد امرأة تجمع العظم الملقى في الطريق من أمام محل بائع اللحم، فاندفع يسألها عن هذا الصنيع المستغرب، فأجابته أنها امرأة أرملة وفي رعايتها ستة بنات، ومنذ عام أو يزيد لم يتذوقوا طعم اللحم، وكانت تصبر عيالها بالعظم والشحم، فسخى عليها بدفع قيمة اللحم لمدة عام، فتبخر عنه المرض الذي كان يؤرقه! 


السؤال الذي نطرحه: هل للصدقات أثر في مداواة المرضى؟ أم هي محض تخرصات؟ لننقل قصة أخرى لمرأة أخرى فقيرة متسولة ترمق بعيونها السماء وتنتظر من الله الرحمة، نهضت هذه المرأة واختارت رجلًا محددًا ومدّت إليه يدها مستجدية، هذا الرجل لم يكن في محفظته إلا ورقة نقدية واحدة من العيار الثقيل والذي لا يجرأ على دفع نصفها لسائل الطريق، فكيف يدفعها بأكملها؟ 


فلما أدار لها ظهره منصرفًا حثه شيء ما  بداخله أن يلقي نظرة على المرأة قبل المغادرة، فوجدها ترمق السماء بضراعة، هنا رقّ لها قلبه وقرر أن يدفع الورقة النقدية بأكملها، وبالفعل دفعها دون أن تطرف له عين أو يرف له جفن، وهي بدورها لم تنظر لما وهبها الرحمن، فقط تمتمت بالخير له، ورجع إلى منزله، في اليوم الذي يليه حَدَث ما لم يتوقعه، تبدلت أموره الاقتصادية رأسًا على عقب، الأسهم ارتفعت والصفقات نجحت وأدرك من فوره أنه تحت عناية الله فخر له ساجدًا شاكرًا، فلم يبصر في سجوده غير تمتمات تلك المرأة التي تصدقت عليه ببعض دعواتها، وفارق كبير بين ما دفعه لها وما وهبته له.


هل جربت أن تنفق بعضَ ما لديك؟ هناك إدعاء يقول: "المنفق يكسب أضعاف ما أنفقه"، هذا الإدعاء يحتاج لتجربة وإليك يعود القرار، أحدهم أنفق من ماله على قطط صغيرة ليس لها أحد، فوهب الله له أمه التي شارفت على الرحيل، العجيب أن هذه الأم روت لابنها أنها رأت في منامها قطط صغيرة تدعوا لها، فهل هذه مجرد مصادفة؟

الأربعاء، 26 فبراير 2025

أرواحنا والأحجار الكريمة




تميزت عدّة من الأحجار عن سواها، لجمالها وجوهرها الثمين، فأطلق عليها اسم (الأحجار الكريمة)، وما حقيقتها إلا مجرد حجر، لكن المثقال اليسير منها يُحْسب له قيمة. من تلك الأحجار القيمة التي تباع وتشترى: (الماس، والعقيق، والزبرجد، والفيروز، والزمرد، والياقوت، وسوها)، هل سألت نفسك يومًا لماذا كانت هذه الأحجار لها يقيمة مادية؟ وتحفظ في صناديق مغلقة؟ ولها سوق يتنافس عليها باعة الجوهر؟، وبقية الأحجار تلقى في قارعة الطريق ولا يُعَار لها أي اعتبار؟

باختصار الأحجار الكريمة مميزة وتختلف عن بقية الصخور والحصى، حتى هذه الأحجار النفيسة يختلف سعرها عن غيرها من ذات النوع وذات الصنف، باختلاف التركيب، فالتجاويف والشوائب تقلل من قيمتها، وكلما زاد النقاء ارتفع الثمن، والعكس صحيح، حديثنا ليس عن هذه المجوهرات، بل عن شيء آخر نعرضه الآن، وهو أن هذه النفس البشرية، كالحجر النفيس، والأعمال التي يفعلها المرء تنعكس على هذه الروح التي بين جنبيك خيرًا فخير، وشرًا فشر، لهذا قد نجد بشرًا من نوع خاصّ مجرد النظر إلى وجوههم ترتاح لهم الأفئدة وتطمئن لمحياهم النفوس وكأنما هذا البشر في جوهره ما هو إلا ملاك يسير على الأرض، وعلى النقيض تمامًا قد نرى بشرًا آخرًا تنفر منه النفوس وتستوحش وتشمئز لمطالعته وكأنما لا نرى أمامنا إلا مجرد شيطان رجيم والعياذ بالله!

فما هو السر الذي يجذبنا لهذا وينفرنا من ذاك؟، لماذا ننسحر لهذه الروح وكأن مغناطيسًا يسحبنا إليها، وعلى النقيض ذلك الذي لا نراه إلا إبليس اللعين، هل هناك سر يميز أحدهما عن الآخر؟ البعض ينهمك في العبادة فلا نرى على محياه ذلك الأثر النوراني، ولربّ مُقل نرى الإنجذاب إليه والارتياح!، هل وراء ذلك من سر؟ يتفق الجميع أنّ الاعتبار بالكيف لا بالكم، فلتكن أعمالنا كيفًا، مع ذاك يصر البعض على الكميات دون النوع. روي في الأثر أنّ عابدًا عبد الله خمسمائة سنة فدخل النّار، بينما صحابي لم يصل في حياته ركعة واحدة، قال عنه النبي: “إنّه لمن أهل الجنّة”.

البعض يظن أنّ ورود الجنّة بكثرة الأعمال، بينما نشاهد نماذج كثيرة تفصح أنّ الجزاء ليس بالكم، إنما بالكيف. الخلاصّة المستوحاة أنّ الله لم يخلقنا ليجهدنا في عبادته، فما يصنع بعبادتنا وهو الغني المطلق؟، لم يخلقنا ليربح علينا، إنما خلقنا لنربح عليه، وذلك متحقق بالقليل من العبادات. فرب ركعة؛ خير من آلاف الركعات، فكيف نصحح المسار؟

لقد خلقنا الله وقد وهبنا ماله واستقرضنا إياه، ومع ذلك يضاعف لنا الواهب الموهوبات: (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). هناك من الصالحين من يستهدف صلاة مائة ركعة في اليوم الواحد، فهل فكر هذا العابد تأدية صلاة الخاشعين؟!، إنّ صلاة الخشية، هي المطلوبة، وهي الكنز الذي غفلنا عنها، وهي تلك الصلاة التي بالفعل تنهى عن الفحشاء والمنكر. السؤال: ما فائدة الصلاة إذا تجردت من روحها؟، ما فائدة الصدقات إذا استهدفت التفاخر والرياء؟، إنّ الله لا ينظر إلى كثرة الأموال أو قلتها، إنما ينظر إلى القلوب التي تهب الصدقات وتغيث الملهوف، فالأعمال بالنيات.

ولنا في قصة ابني آدم قابيل وهابيل خير موعظة، حيث يتجلى لنا درس التقوى، وإنّه من الأسس الهامة لقبول الأعمال، قال تعالى على لسان هابيل: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، وفي غير محل تركّز الآيات على هذا البعد: (وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ)، (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)، وهنا نطرح السؤال: لماذا نجرد العبادات من محتواها القدسي، ونتمسك بالقشور؟

ربّ فقير يدفع درهمًا واحدًا، خير من ذلك المتبجح الذي يدفع أطنان الذهب، هل نعي خطورة الأمر وفداحته؟، ربّ مبلغ زهيد نفع، وربّ مبلغ كبير أضر وأسخط، فما هو الاعتبار؟، الجواب في الآية الآنفة: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، إذًا الإعتبار بالكيف لا بالكم. يقول تبارك اسمه: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء)، إذًا لا فائدة من الزبد الخالي من المحتوى، ما يصنع الله في اللحوم والأضاحي والدماء الكثيرة باهظة الثمن؟، المطلوب أن يتحرك هذا الوجدان للمعاني النبيلة، السؤال الجوهري: لماذا نحتبس بين جدران الطقوسية؟

إنما الهدف بلوغ التقوى التي تفتح بوابة الصفاء والإنشراح، وحالة القرب من الله. فربّ كلمة خفيفة على اللسان هي ثقيلة في كفة الميزان، إذا حملت المعاني الرفيعة وأثرت في صاحبها. لهذا لزم الصدق في القول والإخلاص في العمل وتطهير النية.

ما فائدة التبتل الطويل والقلب ساهٍ لاه؟ ربّ ركعة أدخلت صاحبها الجنّة، وربّ سجدة أسكنت مؤديها الفردوس. فلماذا لا نركّز على الكيفية؟، ونغرق في (كاف) الكم. الكم جيد، ولكن الاعتبار بالكيف. لهذا يتبخر العمل ويتحول لرماد، إذا خالط العمل (راء) الرياء. لهذا ورد: “أنا أغنى الشركاء عن الشرك”. والنصيحة المميزة الخالدة إذا اهتم الناس بكثرة العمل، فليكن همّك إجادته والخلاص فيه. فكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش؟، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا التعب والنصب؟

نعود لحديث الأحجار، وقبل أن توضع روحك في الميزان، عليك أن تتفكر أي حجر كريم تنوي أن تكون، وعلى هذا النهج تحرك وكن متميزًا في قولك وفعلك وفي  نواياك، فالحجر النفيس ينافس غيره بما يحتوي من جوهر أصيل، فشكّل روحك لتكن ذلك المَلاك الذي ينجذب إليه الجميع ولا تهتم بالقيل والقال، فالجوهر يُعلى ولا يعلى عليه.

الثلاثاء، 18 فبراير 2025

صياد بطريقة عجوز "أرنست همنغواي"




ليس كل إنسان يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، البعض يعيش حياة الشقاء وشقاوة الحياة، منذ بواكير أيامه ونعومة أظفاره، الحياة تحتاج لصبر وإصرار لبلوغ المرام.. وإليك السؤال: هل قرأت الرواية النوبلية "العجوز والبحر"، للأديب العالمي أرنست همنغواي؟

إذا كنت قرأتها ستدرك المعنى فورًا، وإليك التفاصيل لتكون في الصورة.. هذه الرواية ذائعة الصيت تسحبك إلى الغوص في عمق البحر، تنقلك إلى ذلك المركَب المعدّ للصيد. ستقذفك السطور إلى ذلك القارب الشراعي البسيط الذي تراقصه الأمواج.

والآن، أغمض عينيك، وحلّق بخيالك لتعايش لحظات خاصّة في عروق أعصاب ذلك الصياد العجوز، الذي راهن عليه المؤلف لحصد جائزته الخالدة، هذا العجوز – بطل الرواية – لديه إصرار من فولاذ لاصطياد سمكة بحرية خرافية تحوم في أسفل الماء!

أغمض عينيك أكثر؛ لتعيشَ تلك اللحظات الطويلة، وأنت تكافح مع الموج والرياح، وتقاوم دوار البحر. إذا عشت أجواء الرواية بالشكل الجيد، فستجد نفسك أنت ذلك الصياد العجوز، وأمامك مسؤولية شرف، وهي اقتلاع السمكة الضخمة من محيطها، وستقول في أعماقك عبارة التحدي الشهيرة: "أكون أو لا أكون".
أحسب أن أرنست همنغواي حول جائزة نوبل التي ينوي الظفر بها، إلى سمكة ضخمة يصعب انتزاعها، هنا تحوّلت روح أرنست همنغواي إلى روح ذلك الصياد العجوز المكافح، الذي يخطط لاقتلاع السمكة من عالمها.
إنّ قوة الأسلوب السردي في هذه الرواية جعلت من همنغواي أستاذًا رائدًا على عرش الرواية الحديثة، ومن يقرأ الرواية بتمعن سيلحظ عنصر "الرمزية" في التخوم، فـ "سانتياغو" -الصياد العجوز- يقاتل أسماك القرش الشرسة، وينافح للسيطرة على سمكته العملاقة؛ ليعيد لمكانته المهنية الشرف.

نستطيع أن نقول إن همنغواي حوّل منافسيه الأقوياء إلى أسماك قرش مفترسة، تستهدف الهدف الشرفي الذي أقسم همنغواي أن يحافظ عليه كوسام شرف، بؤرة دقيقة يمعن همنغواي فيها عدسته، ويضع الهشاشة البشرية أمام محك صراع الإنسان والطبيعة القاسية، والنزاع الصارم المستميت.

تتعملق عقدة الرواية أكثر في تلك اللحظة الدراماتيكية، حين تتقافز أسماك القرش على سمكته الجبارة، فتتخذها وليمة طازجة لا تفوّت. هنا يرى سانتياغو فريسته تؤكل أمام ناظريه دون أن يتمكن من إنقاذ لحمها الطري، تتبخر السمكة العظيمة، كل ما تبقى منها هيكلها العظمي فقط: عمود فقري ورأس وذيل، لن يصدق أحد روايته التي ستعيد له شرفه الضائع، إلا بالاحتفاظ بهذا الدليل المادي – وإن كان مجرد عظم – لكونه سيخرس الأفواه المشككة.. مؤسف جدًا ألا يصدق أحد ادعاءك الحقيقي، مؤسف جدًا أن تحتاج لهذه العظام كدليل مصداقي لإثبات صحة روايتك الحقة.
وبعد رحلة أسطورية طويلة، وصل سانتياغو إلى الشاطئ متعبًا منهكًا لا تعرف عيناه طريقًا إلا إلى السرير، ألقى بالعظام العملاقة على الساحل، وهكذا صدّق الصيادون مقدرته، وأنه مثال لذلك الصياد المخضرم الذي تنحني له الرقاب، وترفع لأجله القبعات.

في هذه الحياة أنت في معركة بحرية، بالطبع ليست معركة ذات الصواري، أو لنقل ذات الصواري بصورة مختلفة، بطريقة هذا الصياد العجوز، الذي ابتكره همنغواي من رحم معاناته مع غرمائه لبلوغ أحلامه الروائية!. فهل تستطيع إثبات مقدرتك ووجودك كما فعلها همنغواي؟
الناس لا يصدقون المزاعم، وإذا أردت أن تحفر اسمك على جبين التاريخ، يلزمك سمكة عملاقة لتصطادها.. قد تختلف هذه السمكة من فرد لآخر، ولكنك تحتاج لذلك الهدف الكبير، كما تحتاج لصبر معياري تتجلى فيه مقدرتك وعزمك، تحتاج أن تتفوق على أسماك القرش، تحتاج لقوة وإرادة حديدية لاقتلاع سمكتك العظيمة. ثم يكون لزامًا عليك الاحتفاظ بها – ولو في صورتها العظمية الهيكلية – لتثبت للجميع أنك فعلتها.

حينها ستُعْرف مقدرتك، وقد تعرض سمكتك الشخصية في متحف يدوّن تحتها اسمك، لتبقى مقدرتك مسجلة تعترف بها الأجيال.