السبت، 28 ديسمبر 2024

ادرس خطتك قبل الانطلاق

 



تمر علينا الأيام تلو يام، فنكبر عامًا تلو عام.. البعض ينظر إلى ما فرط فيه فقط، فيعاتب نفسه بطريقة ما يسمى بـ"جلد الذات"، فيقسو على نفسه ويعيش الإحباط بجميع ألوانه وفصوله!


بيد أنّ هناك مبدأ آخر ندعوك لتأمله، فقد تتبناه.. هو مبدأ الرحمة والشفقة على هذه النفس التي بين جنبيك. فنقول لك: حنانيك على نفسك حنانيك، فما أنت إلا محض بشر خلقه الله ضعيفًا، البقّة تؤلمك، والشرقة تقتلك، والعرقة تنتنك، فهل هناك ضعف أبلغ من هذا الضعف؟


لم يخلق الله بني آدم من صخر ولا من فولاذ، فالهشاشة البشرية معدنه، وهي شفافة وسريعًا ما تُكسر، فرفقًا بنفسك ومهلًا على معاجلتها باللوم والعتاب والتوبيخ.. يكفيها ما تحملت طيلة أعوام من منغصات وهموم ومصائب، فكيف تداويها من دائها؟ التريث لا يعني الإهمال والتثاقل، والمداراة لا يعنيان الترك والتكاسل، فكيف السبيل؟.


السبيل في مواصلة المسير، فلا داعي لمزيد لوم وعتب، فأمامك العديد من الأيام لتصل إلى مطار وجهتك.. افتح لك في كل عام صفحة جديدة، وضع بين راحتيك المخطط واستأنف المشوار. قل لنفسك "أحسنتِ" فيما أحسنَتْ فيه، واصفح عنها وسامحها على التقصير، وقل لها: أمامكِ وقت فلمَ لا نحاول أن نصل؟


للأسف، قد لا يجد الواحد فينا من يشجعه.. للأسف، قد لا تجد من يحتفل بك حينما تبدع وتنجز، قد لا تجد من يأخذ بيدك ويوجهك الوجهة الصحيحة، فالناس تشغلهم شواغلهم. لهذا، ضع لك شمعة، واحتفل بما أنجزت، واستكمل الطريق، فأمامك في كل سنة عام جديد، ولوحة جديدة وعلبة ألوان جميلة، فماذا سترسم في لوحتك الجديدة؟


الملاحظ أن هناك مرضًا منتشرًا يعرقل تحقيق النجاحات والأهداف، نسميه نقص هرمون الشغف.. عليه، يلزمك قبل أي شيء أن تخلق بداخلك هذا الشغف، وتضمن استدامته بوضع تعهد ذاتي لا حياد عنه، وإلا فإن مصير الإبداع التوقف، فكيف لنا أن نحقق الديمومة دون مزاولة الإنتاج بشغف؟


قد تهب الرياح فجأة بموجة عالية ما تلبث أن تموت، إنّ توالي هبوب الرياح غاية في الأهمية لتدفع الأشرعة لبلوغ المرام، فماذا تستفيد لو توقفت سفينتك في وسط البحر، ولم تجد أشرعتك الرياح المواتية؟


ضع يدك على جرح الواقع لتدرك الفداحة، اكتملت في رفوف المكتبات دورات وموسوعات ضخمة من تأليف فرد واحد، وهناك موسوعات قادمة بلا شك، لكنّ المرارة كل المرارة في توقف المؤلف في منتصف الطريق، فيضيع الجهد وتنحبس المسوّدات في الأدراج لعدم الاكتمال.


هناك من المؤلفين من يضربهم الحماس في البواكير والبدايات، ثم تجفّ أحبارهم ولا تخرج السطور إلى النور، إنها بؤرة ألم وضياع جهد!. فتفسير الجلالين، هذا التفسير البديع الذائع -كمثال- احتاج إلى المؤلف الثاني ليخرج إلى النور، فماذا نصنع للمؤلفات والأعمال التي تبخّر عن صاحبها الشغف؟


أحيانًا أجد منزلًا مشيدًا، لم يتبقَ له إلا القليل ليكتمل، ومع ذلك أجده بقي على حاله لسنوات طويلة، وقد توقف دون إنهاء التشطيب الأخير ووضع اللمسة النهائية!. إن الخطة الناجحة تحتاج لإستراتيجيات ناجحة.


فمثلًا، الشخص الذي يطارد أرنبين لا يمسك بأي منهما.. لنتخيل أن فنانًا لديه لوحتان وعلبة ألوان واحدة، لو فرضنا أنّ علبة الألوان لا تكفي إلا للوحة واحدة، فإن الخطأ القاتل أن نلون اللوحتين في الوقت ذاته.


لماذا لا نحسب الإمكانات، وندرك نوع العقبات المحتملة، لنتجنبها بوضع خطط بديلة؟. صاحب المطعم قد يتدارك نقص بعض الأصناف بفتح بوفيه مفتوح، فهل فكرت في خطتك البديلة؟ هل أدركت حجم الإمكانات؟ هل لديك فعلًا كامل الشغف لتصل سفينتك إلى الميناء المطلوب؟ إذا حسبت حساب كل شيء.. حينها انطلق لترسم لوحتك الجديدة، وإلا ففكر في عمل آخر يحقق لك النجاح.

الجمعة، 20 ديسمبر 2024

ازرع الابتسامة على الشفاه



هل فكرت يومًا لماذا الابتسامة تشعرنا بالراحة؟، أثبتت الأبحاث أن الابتسامة تخفف حدّة التوتر العصبيّ، وتقلل من الضغط على القلب.. إذا كنت تعاني الأرقَ والقلق وتداهمك الكوابيس فابتسم، فإنّ الابتسام والضحك يزيدان من إفراز مادة البيتا إندروفين، التي تمنح أثرًا مخدرًا يشبه أثر المورفين، الابتسامة لغة لا تحتاج لترجمة، فكل العالم يعرف معناها، فإذا أصبحتَ ابدأ صباحك بابتسامة، فالابتسامة شمس ثانية، والابتسامة لا تحتاج إلى كهرباء ولا تتطلب منك دفع فاتورة، فلماذا لا تبتسم؟

البعض يدمن الابتسام، حتى في تعامله مع النملة الصغيرة، كسليمان النبي {فتبسَّم ضاحكًا من قولها}، وهكذا عادة الأنبياء {ولو كنتَ فظًّا غليظ القلب لانفَضُّوا مِن حولكَ}، وجُلّنا يحفظ المثل الصيني: إذا كنت لا تستطيع الابتسام فلا تفتح دكانًا، وكأن الابتسامة أداة ضرورية في التجارة!

دخلتُ ذات مرّة محل استنساخ المفاتيح وكنت صائمًا متعبًا أتضور جوعًا، طلبتُ من العامل حاجتي بعد إلقاء السلام، وقررتُ أن أطبع ابتسامة على شفاه العامل قبل أن أنصرف، بعدما أنهى نسخ المفتاح، فقال لي بعد أن خامره السرور: عندما دخلتَ ظننت أنك غاضب مني؛ لأنّي لم أنسخ لك مفتاحًا جيدًا، هنا فطنت أني دخلت عبوسًا قمطريرًا نتيجة إجهاد الصيام، فعرفت أنّ الابتسامة مهمة ولها أثر كبير على الآخرين.

لذا، أنصح بالابتسام حينما تدخل والابتسام حينما تنصرف، وأن تجعل بين الابتسامتين ابتسامة.. نقل لي أحدهم أنه كان يهابُ أحد الناس، فلما سافر معه أدرك أنه سمح العبارة، يزرع الابتسامة على الشفاه، فالابتسامة هي الطريق الأقصر لقلوب الناس.

في الآونة الأخيرة انتشرت لوحة تحمل عبارة: "من فضلك ابتسم"، هل فهمنا غايتها؟ أم تحتاج لتفسير؟ أحيانًا تكون الحياة كالمرآة، فلماذا لا تبتسم؟ لا تبتسم للكاميرا فقط، فالعالم كلّه أداة تصوير فابتسم، إذا عجزت عن حَلّ مشكلة ما جرّب الابتسامة، فقد تكون هي المفتاح!

هل فكرنا يومًا ما للابتسامة من سحر؟ إليك معلومة طازجة، تقول: "هل تعلم أنّ الابتسامة تساعد في إنتاج كريات الدم البيضاء؟"، بمعنى أنّ الضحك والابتسام يزيدان من مناعتك، الابتسامة تزيد من إنتاجيتك لكونها تعزز صحة الدماغ.. باختصار، نستطيع القول إنّ الضحك والابتسامة يزيدان من الكفاءة الصحية. يا ترى هل سمعت بالعلاج بالضحك؟ الابتسامة تخلصك من الاكتئاب والقلق، وتضفي عليك مسحة من السعادة، وترفع من معنوياتك.. فلمَ لا تبتسم؟

ربما تتلقى ابتسامة من طفل صغير فيغير مزاجك وتتغير معادلات كثيرة، كلنا يعلم أنّ الابتسامة صدقة، ولكن هل نعلم أنّ الابتسامة تحرك 17 عضلة فقط، بينما الغضب يحرك 43 عضلة؟ ابتسم فلست الوحيد الذي لسعته عقارب الزمان.

لنعش لحظة مع مدشّن ثقافة الابتسام، الشاعر المَهجِري إيليا أبو ماضي، الذي يقول:

قـال الســمـاء كـئـيـبـةٌ وتـجـهَّــمــا .. 
قلتُ ابتَسِـم يكفي التَّجهّم في السَّـما

قـال الـصِّـبـا ولّـى فقـلتُ له ابتسـم ..
 لن يُرجِع الأسفُ الصِّبا المتصرِّما

إيليا أبو ماضي شاعر لبناني، تغرب عن وطنه، وتوفي في نيويورك بعد أن تجرع مرارة الغربة، مع ذلك أنتج وأبدع وشارك في تشكيل الرابطة القلمية، وهو الآن رقم صعب في الأدب تُحنى له القامات، يقول إيليا:

قال: اللـيــالي جـرّعـتـني علـقـمـا .. 
قلت: ابتسم، ولئن جُرِّعت العلقما

فـلـعـلّ غـيـرك إن رآك مـرنّـمًــا .. 
طــرح الـكــآبة جـانـبًا وتـرنّــمـا

ويندد أبو ماضي بالعابسين، ويتهكم بهم فيقول:

‎يا صاح، لا خطرٌ على شفتيك أن ..
‎تتـثـلّـمـا، والـوجــه أن يتـحـطّـمـا

لذا نقول لكل من يطمح في رغد العيش: ابدأ نهارك بابتسامة، فالابتسامة تجلب الرزق وتنفي الفقر، ابتسامتك لا تأخذ منك إلا لمحة بصر، لكنها تحمل أبلغ الأثر، وتبقى في الأذهان طيلة العمر، فهناك من الناس من يزرعون الابتسامات، مُسلحين على الدوام بباقة من الطرائف، لذا ينجذب إليهم كثيرون.

إذا وقعتَ في معضلة ولم تجد موقفًا مناسبًا فابتسم، فإن فيها سحرًا لا تتوقعه، وإذا لم تملك نصلًا ولا قطعة سيف لمقارعة عدوك فابتسم، وليكن شعارك قول المتنبي: "وجهك وضّاح وثغرك باسم".. إذا أردت أن تصادق فابتسم، وإذا أردت أن تفارق فابتسم.

إنّ الحياة تحتاج إلى جرعات للتداوي، وخير دواء لمجابهتها الابتسامة، لهذا ننصح بقراءة الطرائف، جرب طرح بعض النوادر على عيالك إذا حضرت المائدة، ولترقب ماذا يحدث؟

يحكى أن "أشعب" بكى ذات مرة حين كان طفلًا عند قوم يأكلون، فقال له الحاضرون: ما لك تبكي؟ أجاب: الطعام ساخن، فقال له رجل: دعه يبرد، أجابه أشعب: إنكم لا تدعونه!. وذات مرّة حضر أشعب على مائدة الأمير، وكان عليها جدي مشوي، فأخذ أشعب يسرع في أكله، قال له الأمير: أراك تأكله بغضب كأن أمه نطحتك! أجاب أشعب: وأراك تشفق عليه كأن أمه أرضعتك!

الاثنين، 9 ديسمبر 2024

التفكير الإيجابي وقود النجاح

 





كثيرًا ما ينبش الأقارب والأصدقاء في سلبيات الماضي، عند أوّل وهلة خلاف؛ لهذا ننصح؛ لا تنبش القبور، واجعل ذكرياتك سعيدة، عالج اللحظة دون اللجوء إلى عيون الجاحظ الاستطرادية، عش لحظتك ولا تستدعِ إلا ما هو خير.


إنّ استجلاب المواقف السلبية خط أحمر، استجلب ليومك الصفاء والنقاء، وانطلق في حياةٍ سعيدةٍ متفائلة، ولا تبعث الذكريات الميتة المقيتة من لحودها، اتخذ قرارك الصائب، وانتخب الحميد المحمود، ودع حياتك رائعة مشرقة، ضع أصبعك على زر القرار، وقل: لا لاسترجاع جثث الذكريات السيئة من قبورها، فلترقد المواقف السلبية في مراقدها بسلام.. ولا تفتح على نفسك بئر التشاؤم والحظ السيئ.

يحكى أن فأرًا تحدى أسدًا، وقال له: أنا أستطيع قتلك في غضون شهر واحد، قَبِلَ الأسد التحدي، وقال له: وأنا بدوري سأقتلك بعد انتهاء هذا الشهر إن لم تقتلني، في الأسبوع الأول لم يعبأ الأسد بحديث الفأر الصغير، لكن المخاوف تسللت إليه في الأسبوع الثاني، وتفاقمت الأزمة في الأسبوع الثالث، أما في الأسبوع الأخير، فتقدم الفأر مع حيوانات الغابة، ليشاهدوا الأسد ميتًا كما أخبر الفأر.


هذه الحكاية رمزية، فلا تكن أنت هذا الأسد المسكين الذي وقع ضحية هلوساته وهواجسه حتى مات، استفتح كل خير، وإياك ونعيب التشاؤمات والإخفاقات، ركز على أهدافك واستحضر النجاح.. يقال إنّ في هذا الكون طاقة استجلاب، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فلماذا لا تجرب لنفسك حظك السعيد بإطلاق فقاقيع الذكريات البهيجة؟. اطرق باب المواقف المبشرة، واروِ قصص سعادتك ونجاحاتك، ولا تُدِر المفتاح في أقفال الشر، فقط فكر في الإيجابيات تكن فردًا إيجابيًّا.. الأفكار معدية، فلماذا لا تخلق لحياتك أجواء الأنس والارتياح؟.

تحتاج في مسيرتك اليومية لاستخدام الكوابح، وممارسة تقنية النكوص عن كل ما هو سلبي، اقلب الصفحة المؤلمة من ذكرياتك، وتحدث عما يثير فيك الأمل والتفاؤل والإشراق.. لماذا نتحدث عن الرسوب، ونذر وراءنا ابتهاجات النجاح؟ ضع نصب عينيك الفوز، ولا تستحضر الخسارة.


قيل إن التفكير الإيجابي يستجلب الخير، وكثير من الناس يذكرون في مجالسهم شخصًا فيرونه أمام أعينهم مباشرة، بعضهم يتندر، ويقول: "لو ذكرنا  مليون ريال، هل سيهطل علينا؟"، ونقول لك: جرب ما تتمناه، واترك ما لا ترجوه وراء ظهرك.

تخلص من نسبة التشاؤم التي تتعملق في داخلك، وقرر انتزاع سلبية واحدة من حياتك كل يوم، لتتخلص من كل السلبيات ذات يوم!. إن التخلص من السلبيات يحمل معه إحلال البدائل، لهذا استبدل بالسيجارة السواك، على سبيل المثال، واكنس العادة السلبية بإحلال الإيجابيات، وتفطن للسلبيات الخفية؛ فالصينيون كرسوا جهودهم في بناء السور العظيم، إلا أنّ اللص دخل من الباب حين كان الحارس خائنًا، ولم يتكبد عناء التسلق!. لهذا، توثق من النزاهة، وتحقق من سدّ الثغرات.


لكل بيت أثاث، ولكل مزرعة بذار، والشخصية المتميزة كالبيت الجميل والبستان الرائع، فما الذي تحتاجه لتأثيث شخصيتك وإنضاج ثمار عطاياك؟ إنك تحتاج إلى صفات وسلوكيات تقودك إلى المطامح، وترقّيك في سلم التميز والنجاح، وإليك أهم العتبات: التخطيط، الثقة، الدافعية، التواصل، القيادة، التفاؤل، الإصرار، المرونة، التواضع، والإبداع.. وإن أغلب الناجحين يتحلون بهذه السمات، فابذرها في مشتل بستانك، لتجني الثمر.


من يلاصق الورد يتعطر بشذاه، والعطّار تفوح منه رائحة المسك، قد يأتيك ابنك الصغير أو ابنتك بكتاب مصور، يريد منك أن تحكي له حكاية أو تسمي له الصور، فلا تتجاهل هذا الإقبال منه وإن كنت مشغولًا، حتى لا تقتل فيه روحه الإيجابية ومحبته للتعلم، عوّد نفسك نشر الإيجابيات، وافتح لك دكانًا توزع فيه البسمة والسعادة على كل المحيطين بك، افتح الآن مشروع الحديث الحسن، حتى إذا كانت الحياة تعيسة.

أوقد شمعة وتفاءل بالخير، ألم يحدث لك الفرج ذات مرة؟. تفاءل، لعل الفرج يأتي بعد دعوة وغفوة، كما حدث للكليم حين جاءته إحداهما تمشي على استحياء.


افتح أبواب السعادة بالتفاؤل والاستبشار والابتسامة، أشعل شعلة شمسك الباطنية، وأطلق شروقك على الجميع، وانشر طاقة التفاؤل، ولتشع روحك بالسعادة. القرار قرارك، والأمر إليك، فلماذا لا تطرق الباب الذي تريد؟ وتذكر جيدًا أن الأبواب تفتح لمن يطرقها، فتفكر أي الأبواب تقصد قبل الطرق.

كن كالنحلة الطيبة تمتص الرحيق لتصنع العسل، كن طيبًا وإيجابيًا وامتص كل الطيبات والإيجابيات التي من حولك، كما تمتص الإسفنجة الماء والمحاليل.. يحكى أنّ ولدًا كان يسمع حديث أمه، قالت له الأم ذات يوم: يا بني إذا كنت جنديًّا فكن جنرالًا، وإذا كنت معلمًا فكن وزير التعليم. يقول الولد: لكني لم أكن هذا ولا ذاك، لأني كنت رسامًا فأصبحت بيكاسو.


إن قوة التخيل تستجلب الأفكار وتستحضر النجاح، فاستخدم فكرك كمغناطيس يجذب برادة كل ما يقودك إلى أهدافك وأمنياتك.. ومن حام حول الحمى أوشك على الوقوع فيها، لهذا ابتعد عن كل سلبي وحلق مع نوارس النجاح!. استعن باللاشعور ليدر عليك المنافع، فالشتلات الغضة لا ينقصها إلا وابل المطر لتنمو، وكذلك مزرعة نجاحك، لا ينقصها إلا غيث الأفكار النيرة، فإذا ظفرت بالقوس والنبل فشد الوتر، وأحكم رميتك.. لا تفكر تفكير الفقراء، وفكر كما يصنع الأثرياء لترث جرار الذهب، فالتفكير الناجح هو الذي يبني مدينة الأحلام.


باختصار، أنت صناعة فكرك، والصورة الذاتية التي ترسمها لنفسك  تتحقق، لهذا لا تحبس عصافير كلماتك الطيبة في قفصك الصدري.. أطلق طيور قلبك لتغرّد بكلّ خير.

الخميس، 28 نوفمبر 2024

لا تستسلم وحقق أهدافك!

 



هل رأيت أسطولًا ضخمًا من السيارات لشركة شهيرة؟ قد تنبهر لحظة مشاهدتك لهذه الأساطيل اللامتناهية، وقد تتساءل: كيف حققت كل هذا النجاح؟. نقول لك: ثق تمامًا أنّ هذه الشركة العملاقة واجهتها تحديات عديدة وعقبات كثيرة، بعض تلك الشركات واجهت الفشل والإفلاس والإحباط الفظيع في بعض منعطفاتها، إلا أنّ ثقافة الإصرار والصمود هي التي جعلت قلب هذه الشركة ينبض بالحياة، وينضح بالدم والنّجاح.

الإخفاق لا يعني النهاية، فكم من طائرة خرجت عن مسارها ووصلت إلى الهدف في الموعد المحدد!. إنّ لكل مؤسسة حكاية، وإذا راجعنا سجلات الشركات فسنجد أن نواة تكونها صغيرة خجولة، غير أنّ الواقع الآن أضحى مختلفًا.. فإلى كل أصحاب المشاريع الصغيرة، لا تخجل من ضآلة مشروعك، فما خطواتك هذه إلا نواة وقداحة، إنّ خطواتك الفتية المحدودة اليوم ستتعملق ذات يوم، ألا تعلم أنّ طبيعة البذور النماء؟ فرب شتلة صغيرة ستغدو شجرة عظيمة متفرعة الأغصان عما قريب. وإليك التجربة لتتأكد.
ضع لك دفترًا وسجل فيه بدايات الشركات العظيمة، ستجدها أقل من كلمة متواضعة، فلماذا لا تطلق مشروعك الآن؟ توقف لحظة، ليس المهم الحجم في البداية، المهم وضع الأسس، ثم باستخدام توائم الذكاء الاصطناعي تستطيع استنساخ العنابر وإنشاء الكبائن المكرورة، لعل كشكًا صغيرًا الآن يتحول إلى غوريلا عملاقة في السوق الاقتصادي بعد سنوات قليلة.. لهذا نقول: انتخب بذرة مشروعك بعناية، فبذرة الليمون الحامض لا تنتج العنب السكري، وكما قيل في الأمثال العربية: "إنك لا تجني من الشوك العنب".

لماذا نرتدي ثياب اليأس، ونتذرع بالتشاؤم؟. كلنا يحفظ الحكمة الصائبة: "من جد وجد، ومن سار على الدرب وصل"، فكم من تلميذ محدود القدرات نال شرف الدكتوراه، حين غير الصفحة وقرر الانطلاق!. وأنت لست بدعًا، فبإمكانك الرقي والارتقاء وبلوغ المراقي الجسام، فلماذا لا تحرك مكعبات نردك، لترى مقدار الحصيلة التي ستجنيها إذا ألقيت أحجار العزم والإصرار؟ كم من مقالات وحكايا قُرئت عن الإصرار!. ولن يكون هذا الأخير، لهذا اعتبر هذه السطور بمثابة تأكيدات ذاتية تعزز الدافعية، وحتمًا سيكون لها صدى في واقعك.

فإذا كنت تنشد الحل لمشكلة أو معضلة أو مرض أو ورطة، فلن يكون الحل في صندوق الكسل؛ فالتقاعس ليس حلًا، لهذا ننصحك بطرق جميع الأبواب المحتملة، فالاستسلام يعني الهزيمة، فلماذا ترفع رايتك البيضاء في بداية الطريق؟ قد تكون أنت القدوة للآخرين، فلماذا الانهزام بسهولة؟ واجه خصومك بسلاحك، فلكل مخلوق سلاح، فالحرباء سلاحها التمويه والاختباء، والذبابة سلاحها الطيران، والنحلة لديها إبرة لاسعة، والبعوضة لها إبرة مختلفة، حتى الظرِبان له سلاح فتّاك يحميه، فما هو السلاح الذي تمتلكه؟
إذا كنت تنشد المال، فاعلم أنّ الفقر يقف خلف باب الكسل، فتجنب طرق هذا الباب تحديدًا وإياك ودخوله، وإذا طلبت الغنى والثروة فاطرق باب الجِد والعمل، كن كالحاج محسن الذي بلغ المائة ولا يزال يخرج من داره كل صباح ليرعى مزرعته، سنوات طويلة ولم يستسلم، ورغم الوهن والضعف والشيب، لا يزال يعمل، فلماذا نتكاسل؟
يروى أنّ ابن أحد العظماء أراد مساعدة رجل حمّال ينفق على أمه وأخته، غير أنّ هذا الرجل رفض أخذ المعونة، وأحدث حديثه نقلة في قلب هذا الشاب، ما جعله يفتش عن السعادة في العمل عند حداد، وافق الحداد على طلبه حين جاءه متنكرًا، فلما حانت وفاته: "أخبر أبي أني عشت سعيدًا"، فسأله الحداد: "ومن هو أبوك؟"، قال له الفتى: "أنا ابن فلان الثري السيد ".. السعادة ليست دائمًا في الوجاهة والثراء، فرب عامل بسيط أسعد من ملوك الأرض!

فلماذا الكسل والفشل وضياع الهمة والعزيمة؟ البعض يضع أمامه ثلاث دروع ليهرب من المسؤولية، وهي: (لا أعرف، لا أستطيع، مستحيل). وكل هذه الدروع تتهاوى أمام رغبة الإصرار، فالظلام مهما حاول فلن يتمكن من إطفاء شمعة صغيرة، فلماذا لا تكون أنت الشمعة المتوقدة؟ وإليك السؤال: ماذا تصنع إذا أعاقت طريق تقدمك سلسلة جبال الأنديز؟ الحل أن تزيلها أو تتسلقها أو تتفاداها، فإذا لم تستطع فاخترقها لتصنع لك نفقًا تفترش فيه سكة قطارك.

الحياة رغم صعوبتها ووعورتها تقدم لك نفحات وهبات وعطايا، فإذا كنت رجلًا قَزَمًا فقد تكون ساحرًا، وإذا كنت بطلًا ضائعًا فقد تعثر على الخاتم الأوحد، كما في ملحمة سيد الخواتم للروائي البريطاني جون رونالد تولكين. قد يقول البعض: وماذا يصنع الخيال أمام الواقع؟ نقول: الواقع أغرب من الخيال في كثير من الأحيان إن لم تكن تعلم، وهناك كنوز أثمن من الخاتم الأوحد، فهل بلغتك قصة أرماند؟
كان أرماند طفلًا صغيرًا يقله والده كل يوم إلى مدرسته، وكان والده يقول له: "يا أرماند، سأكون بجانبك على الدوام مهما حدث"، وذات مرة حدث زلزال مدمر في أرمينيا، المنطقة التي يقطنون بها.. ذهب الوالد مسرعًا إلى مدرسة ابنه ليراها مجرد حطام، هنا أخذ الأب يبكي من هول الصدمة، وفجأة مسح الدموع، وأخذ يتفكر.. أين يقع فصل ابنه في وسط الحطام؟ استدار خلف الحطام، وتحديدًا في المنطقة اليمنى عند موقع فصل ابنه تمامًا، وأخذ يحفر في صمت كالمجنون.
حاول بعضهم ثنيه عن الحفر، إلا أنه لم تخرج منه إلا عبارة واحدة هي: "إما أن تساعدني، أو تدعني وشأني"!. استمر هذا الوالد المصدوم في الحفر لمدة يوم كامل، ولم يستسلم رغم نزف يديه، وبعد مرور ثلاث عشرة ساعة من اليوم التالي انتزع صخرة كبيرة، وأخذ يصرخ في التجويف: "أرماند، أرماند، هل تسمعني؟".. هطلت دموعه وأجهش بالبكاء حين سمع صوت ابنه، يقول: "أنا هنا يا أبي، لقد قلت لزملائي لا تخافوا، فأبي سيأتي لينقذني وينقذكم معي".. وهكذا استمر في الحفر، حتى استطاع هذا الرجل المكافح إنقاذ 33 طفلًا من تحت الأنقاض، مقابل 14 طفلًا سحقوا تحت الحطام.

هذه القصة الواقعية، التي وقعت في عام 1989 في أرمينيا، تحثنا على بذل قصارى الجهد، فماذا لو سمع هذا الرجل حديث المثبطين؟. أنت كذلك لك خياران، إما أن تستجيب لدوائر الإحباط التي يبثها الكسالى لك كل يوم، أو أن تسمع لصوت الإصرار الذي يصطرخ بداخلك لتحقّق أهدافك.

الجمعة، 15 نوفمبر 2024

كن سببًا لنجاح ابنك وتألقه

 





لماذا يمتلك كثير من الآباء ذاكرة قصيرة، كذاكرة الذبابة؟ ينسون أخطاءهم وزلاتهم أيام الطفولة، وينتظرون من هذا الابن المسكين الكمال!. عليه نقول: رفقًا معاشر الآباء، فأبناؤكم عجائن ينتظرون منكم التشكيل، ومن البديهي أن يقع الطفل في الخطأ.

أتذكر أننا طلبنا من ابننا غسل الفاكهة، فغسلها جيدًا، لدرجة أنه استخدم معها الصابون، وَفقًا لإرشادات مربية رياض الأطفال، التي تؤكد على النصح: يلزم غسل اليدين بالماء والصابون!. بعض الآباء يقيم الدنيا ولا يقعدها؛ بسبب خلل يسير، بينما كان موقفنا هو الضحك، واعتبرناها طرفة ونادرة من النوادر، تستحق التقييد.. أقترح تخصيص دفتر لطرائف العائلة، لتتم قراءتها في المستقبل، لتظل ذكرى سعيدة تجلب البِشر والسرور.

نعود إلى صلب الحديث، فالأبناء من طبعهم الخطأ والزلل.. أتذكر أني في أول يوم في الجامعة كنت كالتائه الضرير الذي لا يعرف الكوع من البوع، لدرجة أني كنت أفتش عن العمادة فدخلت مطبخ الجامعة، ضحكت كثيرًا من نفسي، حيث أسلمتُ قيادي لبطني بدلًا من العقل، وقلت مداريًا: من الجيد أن أعرف موقع المطعم حتى لا أموت جوعًا، هذا بالنسبة لشاب كبير، فكيف بطفل صغير؟!

واثق أن كل أب يحمل في ذاكرته المعطوبة زلة وقع بها، فلماذا نهوّل من زلل الأطفال، والبديهي أن يرتكب الطفل بعض الأخطاء؟ ولكن السؤال الأهم: كيف ندير المواقف؟ هل تعلم أنّ الطفل لا ينسى؟ وكلنا يكرر: "الحفظ في الصغر كالنقش على الحجر"، فبماذا تريد أن يذكرك ابنك؟

يروي أحدهم أنه كان يتشوق لأيام العيد، لأنّ أبويه كانا يأخذانه إلى السوق ليشتري الملابس الجديدة وبعض الألعاب. يقول الراوي: حين كبرت علمت أن أبي كان يمر بظروف صعبة، ومع ذلك لم يحرمنا فرحة العيد، لهذا أقسمتُ ألا أحرم أطفالي هذه الفرحة مهما كانت الظروف!

لكل طفل خصائص، فمن خصائص الأطفال عدم إدراك العواقب بالشكل الصحيح، كما أنّ لهم ضعفًا في جهازهم الإدراكي، ويحتاجون إلى وقت طويل للتكيف ومجانبة الخطأ، فالتبول على الملابس قد يتكرر في بعض المرات رغم كبره النسبي. فمن يحتاج إلى النصح حقيقة، الأبناء أم الآباء؟
تقديرنا أن كلا الطرفين يحتاج لمد يد العون، فلنبدأ بالآباء:

-لا تتعجل إصدار الأحكام، واحسب حسابًا للخسائر النفسية قبل إحلال العقاب.

-اسأل الطفل عن الدافع، وافسح له المجال ليوضح الدواعي التي أوقعته في الخطأ.

-لا تصدر أي حكم قبل أن تسمع من الطفل وجهة نظره.

-إذا كان الخطأ يستحق العقاب، فاختر العقاب المناسب، وقد يكفي إشعاره بالحزن والغضب منه.

-احكم بالعدل، فالعقاب على قدر الخطأ دون تجاوز.

-تجنب تدليل الطفل، وأعطِ الخطأ حقه من العقاب دون تفريط أو إفراط.

أبرز الأخطاء التي يقع بها الأطفال:

-لبس الحذاء بطريقة خاطئة.

-عدم إنجاز المهام بسرعة كافية.

-عدم دخول الحمام في الوقت المناسب.

-تلويث ملابسه النظيفة أثناء اللعب، أو تناول وجبة الطعام.

-عدم إتقان المهارات المعقدة، كإغلاق أزرار القميص وربط قفطان الأحذية.

-العبث بالأدوات الخطرة، كاستخدام الأدوات الحادة، والعبث بالكهرباء.

-اللعب الخطر، كصعود الأماكن الخطرة، وكالتزلج على السلم.

-تخريب المقتنيات وإلحاق الضرر بالمنزل بسبب العبث واللعب غير السليم، كإتلاف الأجهزة، وطلاء الأثاث والجدران.

الطفل له عالمه الخاص، عالم مغمور باللهو واللعب الجميل، نحتاج أن نتذكر أيام طفولتنا البريئة لنعرف ما يشعر به الأولاد، بعض الأحيان لا يُحسن الطفل اختيار الموقف الصحيح.. أيستمر في لعبه الممتع، أم يذهب إلى الحمام ليفرغ مثانته؟ تسحره الألعاب فيختار الموقف الأول، وتقع الكارثة بتلويث ملابسه.. أنفهم موقفه ونساعده في محنته، أم نكتفي بالغضب والإحباط؟

إليك هذه الحكاية: يُنقل أن رجلًا يسمى ديك هيوت رُزق بابن معاق أسماه ريك هيوت، كان هذا الابن لا يستطيع الحركة، وعرف الأب أنّ ابنه يتمنى المشاركة في سباق الـ 8 كيلو مترات، وافق الأب وتكفل بدفع كرسيه المتحرك كل تلك المسافات.. لم تكن هذه إلا البداية لرحلة رياضية امتدت 25 سنة، حتى إن هذا الطفل قال: "لا أشعر أبدًا أني معاق"!

بعد 7 سنوات رغب الابن المعاق بالمشاركة في سباق الرجل الحديدي، فتوقف الأب لحظة حين علم أنه سباق ثلاثي يضم ثلاث رياضات هي: السباحة والجري وركوب الدراجة، ولم يكن هذا الأب يجيد السباحة، ولم يمارس ركوب الدراجة منذ فترة طويلة. مع ذلك وافق على خوض السباق من أجل تحقيق أحلام ابنه، لذا أخذ يتدرب خمس ساعات في خمسة أيام أسبوعيًّا، حتى بلغ الاحتراف وتخطى كل العقبات إكرامًا لابنه واحترامًا لرغبته!. في ختام المطاف أصبح هذا الابن أحد أعضاء فريق تطوير الكراسي المتحركة للمعاقين.

فهل نمتلك نحن الآباء تضحية هذا الأب المكافح؟ فلنحمد الله على سلامة أبنائنا، ولنعلم أنّ خلف كل تربية ناجحة جيلًا ناجحًا يرفع الرأس ويبشر بالخير.

الأحد، 10 نوفمبر 2024

تقاطع الدين والسياسة: مفتي القدس نموذجًا




هناك فصل في المسيحية بين الدين والدولة، فهل في الإسلام هذا الفصل؟، يجرنا هذا التساؤل الكبير للحديث عن الدولة العلمانية، ولعل المقولة الشهيرة المنسوبة ليسوع ستدخل في التأسيس: “أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلّهِ لِلّهِ”، حديثنا في هذه السطور عن مجاهد فلسطيني صَرَفَ وقته وجهده وكل حياته للحفاظ على الأراضي الفلسطينية، فقد مزج بين الأحمر والأخضر بين الجهاد والفقه لهذا لقب “سيف الدين”، ألا وهو سماحة مفتي الديار الفلسطينية الحاج محمد أمين الحسيني المفتي العام للقدس (1895 – 4 يوليو 1974).


الولادة والبدايات:-


كانت ولادته في مدينة القدس، ولا شك أنّ لمسقط الرأس أثر في تشكيل المستقبل، على الرغم من العدد الكبير الذي تضمه أسرة الشيخ من أفراد -بلغت ثلاثة عشر- إلا أنّ أسرته كانت ميسورة الحال معظمهم عمل في مناصب سياسية وإدارية، فالشيخ كامل الحسيني -مثلًا- شقيق الشيخ محمد أمين كان هو مفتى القدس، تلقى محمد أمين العلوم الأساسية منذ البواكير، كعلوم القرآن واللغة والفقه، وقد حظى سماحته ببيئة متميزة شكلته لتسنم المناصب الرفيعة، فقد درس في جامعة الأزهر ولتحقق بكلية الآداب في جامعة مصر، بالإضافة للعديد من المؤسسات التعليمية كمدرسة “دار الدعوة والإرشاد” التي دشنها محمد رشيد رضا، وقد دفعه والده لتعلم الفرنسية لمدة عامين في “مدرسة الفرير”.


محطات من حياته:-


لم يستكمل سماحة الشيخ دراسته التعليمية حيث انتقل إلى الكلية العسكرية بمدينة إسطنبول التركية ليتخرج برتبة “ضابط صف” في الجيش العثماني، هذه المهنة لم يدم بها طويلًا فبعد 90 يومًا اعتلّت صحته فاعاد أدراجه لمدينة القدس مسقط رأسه، وفي عام 1913 ذهب مع والدته لتأدية مناسك الحج، ومن هذه الحجة حصل على لقبه الذائع الصيت “الحاج محمد أمين”، وكان في السنة السادسة عشر من عمره حين ذاك.


بعد عامين من حجة الإسلام تلك أسس سماحته أول منظمة سياسية في فلسطين تحت مسمى “النادي العربي”، الذي تبوء رآسته في عام 1915، وتكمن أهمية هذا النادي أنّ الحركة الوطنية الفلسطينية انطلقت منه، وبعد أشهر التحق بمهنة التدريس في “مدرسة روضة المعارف الوطنية”، وفي عام 1917 أي بعد أربع سنوات من حجته المباركة تمت السيطرة على مدينته القدس من قبل القوات البريطانية، فكان هو أحد أبرز المناضلين والملتحقين بقوات الثورة العربية، حيث كانت له مساهمات معروفة في تجنيد المتطوعين. وبعد أربع سنوات تلقى فاجعة أليمة برحيل شقيقه سماحة المفتي كمال الحسيني عام 1921 وكان هو الخلف لخير سلف، وفي عام 1922 رأس مجلس الشؤون الإسلامية والأوقاف والمحاكم الشرعية.


النضال والقضية الفلسطينية:-


كان سماحته رمزًا للثوّار ضد الاحتلال، حيث شارك عام 1941م في ثورة رشيد عالي الكيلاني بالعراق. بعدها أنشأ مكاتب متعددة لنصرة القضية الفلسطينية في عدة دول عالمية، ثم ترأس الهيئة العربية العليا لفلسطين عام 1946م و بعد عامين ترأس المؤتمر الوطني الفلسطيني في عام 1948.


تم اعتقال الشيخ في عدة مرات وقد طاردته السلطات الأمريكية والبريطانية ورفضت فرنسا تسليم الشيخ وقبل إبرام صفقة تسليمه مقابل إعمار فرنسا بأموال أمريكية استطاع الشيخ الفرار من القبضة الفرنسية 1947م ليستقر في القاهرة، ظلّ متخفيًا حتى حصل على حماية دولية ثم بدأ جهاده في تنظيم المجاهدين والثوّار وأعلنت الحرب بعد إعلان الأمم المتحدة دولة إسرائيل وتقسيم الأراضي الفلسطينية، توالت الخيانات والمؤامرات بعد ذلك وانهزمت الجيوش العربية، مع ذلك أصرّ سماحته على إعلان استقلالية فلسطين.


ولم يقتصر على الحراك النضالي بل استمر في ذات الوقت على المناشط السياسية على مستوى العالم العربي والإسلامي لدعم الجهاد المسلح ضد المحتلين. وفي عام 1955م مثل سماحته فلسطين في تأسيس حركة عدم الإنحياز، وبعد ست سنوات انتقل سماحة المفتي إلى بيروت 1961م، ليستمر نضاله حتى تَمّ

القرار بإنشاء كيان فلسطيني عام من قبل جامعة الدول العربية 1963م، الذي أفرز عنه ولادة  منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1964م، استمر جهاد الشيخ حتى بعد نكسة عام 1967م، مؤكدًا أنّه لا حلّ للقضية الفلسطينية إلا بالسلاح. وفي عام 1974م فاضت روحه الطاهرة ودفن في بيروت بعد حياة مليئة بالنضال.

________

المصدر: موقع التنويري

https://altanweeri.net/14881/%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9%D8%9B-%D9%85%D9%81%D8%AA%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF%D8%B3-%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0/

________

مجلة التنويري: مجلة فكرية إلكترونية وورقية، تقدم منظوراً وقاعدة فكرية حول التنوير الديني والتجديد الديني والقراءة التنويريَّة للدين في المنطقة، وتحاول تقديم مساهمة في إطار الجدالات الراهنة حول دور الدين في الحياة العامة، مع التركيز على الأطر التربوية والتعليمية. من الجدير بالذكر أن مجلة التنويري تصدر عن الرابطة العربية للتربويين التنويريين منذ 2017م في عمّان – الأردن، وهي امتداد لمجلة الراصد التنويري التي كانت تصدر منذ عام 1994م عن المنبر الدولي للحوار الإسلامي في لندن.

الأحد، 3 نوفمبر 2024

أعيدوا بهجة "لا تثريب!"

 


من طبيعة الإنسان الخطأ، وكثير منا يقع في الزلل، فهل تزودنا بزاد التسامح؟. نحن -الآباء- نحتاج لمراجعة الخصال الحميدة في أعماقنا بين الحين والحين، فإذا أردنا تصدير الكرم، والصدق، والوفاء، وسائر الصفات المحمودة لأبنائنا، فعلينا بالتحلي بها ليقطف الصغار منا أينع الثمر. صحيح أنّ المواعظ لها الأثر البالغ في أهلها، إلا أنّ التخلّق أبلغ موعظة، وأجدى من أطنان الكلمات الجوفاء، فربّ موقف صغير حفر بصمته في فؤاد ابنك على مدى السنين، فلماذا لا نشيع التسامح في أسرنا، ونستجلب بهجة "لا تثريب؟!"

ماذا -في ظننا- سنصدر للعالم، إذا تربى فلذة الكبد على القسوة.. إذا شوهنا ملامحه بوابل الصفعات والتنكيل؟


التخلق بخلق التسامح ضرورة ينبغي على المربي إدراك أهميتها، صغارنا بين أيدينا عجائن نشكلها كيفما نشاء، فهل سمع الطفل من أبيه: "عفوت عنك، اذهب فلا جناح عليك"؟ هل يلزم على الوالد حمل العصا طيلة حياته؟ هل يلزم عليه وضع العقاب أمام كل زلة طفل، باعتبار أنّ "من أمن العقوبة أساء الأدب"؟ أيهما أنجع أثرًا: "العفو عند المقدرة"، أم "لكل فعل ردّة فعل"؟!


يحتاج المربي في بعض الأوقات أنْ يُرجع سيفه إلى غمده، فالعقاب للطفل كالملح للطعام، نحتاجه بقدر، وإن زاد عن حدّه فسد، وهذا ما يدركه كل ذي ذوق.. من يمارس العقاب، عليه أن يجد الدهان الملائم لتلتئم الجروح، وليس كل جرحٍ ظاهرًا، وليس كل جرح يمكن علاجه.


نعود لخصلة الصفح والعفو عند التملك.. لماذا لا نكبح الجماح عند المقدرة بقول: "أخطأتَ، فلا تعد لمثلها"؟ هل يلزم أن تسيل الدماء إلى الركب؛ ليدرك المخطئ خطأه؟ تربية الأجداد قاسية، وقد حفظها كثير من الآباء، بعضهم أسرف في الدلال ليغيّب مرارة الماضي، إلا أنّ البعض سار على الخطى ذاتها حُذو القُذّة بالقذة، والصواب أمر بين أمرين، المشكلة التي تصيب كثيرًا من المواقف الأسرية توحّد الأدوار، فكثيرًا ما يكون الأب هو الخصم والحكم والجلاد، وتضيع بوصلة الإنصاف، لنشاهد عمامة الحجاج والرؤوس اليانعة التي حان قطافها.


هل يتذكر الوالد قدرة الله عليه، حين تدعوه قدرته على البطش؟ لماذا نشاهد آثار العقاب على أجساد بعض الأبناء؟ هل تحوّلت ملائكة الرحمة إلى زبانية عذاب؟. المنتظر من قلب كل أب الصفح والرحمة، لا الغلظة، فمتى نتقمص وشاح "العفو"، ونتحلى بأخلاق الأنبياء؟ لماذا لا نقلّم براثن الشيطان التي تتوغل في نفوسنا، لنتخلص من الغدد السرطانية بالكشط، وإحلال طلائع الحِلْم؟ فربّ كلمة أجدى من لكمة، ولربّ صفح أوقع من صفعْ!


فمتى نكبح نبرة الزجر والوعيد، ونستبدل بحنجرة الحجاج بن يوسف أخلاقيات نبي الله يوسف؟ متى نسرح أكبادًا غلاظًا شدادًا بمثل قلب محمدي ينبض، يقول حينما يظفر بالأعناق: "لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء".

الجمعة، 11 أكتوبر 2024

ابتكر لك تحديًا وحقق الفوز

 


من بين الناس شريحة خاصة يوصفون بالتميز، فهم خير من أنجبتهم الحياة، فلماذا لا نفكر في التميز؟ أليس المضمار مفتوح للجميع؟. يثبط البعض نفسه ويقتلع أشجار تطلعاته من الجذور بقول كلمة: (مستحيل)، غير أنّه "لا مستحيل على الشمس"، فلماذا لا نتقمص دور الشمس لنذيب شموع المستحيلات؟، أضحكتني عبارة قرأتها تقول:"كل شيء يصير، حتى الفيل يطير"، وأنا بدوري أضيف وأقول: "حتى الغراب يستطيع الغناء!!". والسؤال الحقيقي: هل بالفعل يستطيع الغراب أن يحقق النجاح في الغناء؟، قد يضحك البعض لمجرد طرح السؤال، لنفترض أننا غرابيب، هل بإمكاننا التألق في الغناء؟، هناك فيلم اسمه (أغنية الغراب)، فهل للغراب أن يتميز في أغانيه؟، من يدري؟، ربما حقق الغراب تميزًا وأصبح نجم الفرقة ليدهش الجميع، لاسيما إذا علمنا أنّ بعض الغربان تمتلك الإصرار، والإصرار يصنع المعجزات. فإذا كان ذلك ممكنًا، فلماذا لا نكن ذلك الغراب الافتراضي الفريد؟


هل سمعت بوجود غراب أبيض؟، لا تندهش فهناك غراب أبيض، ولقد شاهدت صورته بنفسي، ولك أن تتحقق. تقول المعلومة التي قرأتها أن هناك غرابًا أبيضًا في أنكوراج، في ألاسكا، وهو مشهد نادر للغاية. وإحصائيًا، يولد 1 من كل 30 ألف غراب. فإذا كان الغراب قد يكون أبيضًا أو يتقن الغناء، فلماذا لا نكسر القاعدة ونفوز في التحديات؟، إذًا ابتكر لك تحديًا وحقق الفوز، اضرب جسور تطلعك إلى مدينة الأحلام، علق خيوط إرادتك لتسلق قمم الجبال، أليس في كل عام يولد فائز؟، لماذا لا تحرك بيادقك لتكون أنت!. إذا لم تنجح يكفيك شرف المحاولة، فعباس بن فرناس ساهم في تحقيق معجزة الطيران، يقول الشاعر:

على المرء أن يسعى بمقدار جهده
وليس عليه أن يكون موفقا

لماذا لا نسعى؟، لماذا الاستسلام في بداية الطريق؟، أليس من يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له؟، إن ما ننصح به هو صناعة صندوق ادخار، اصنع لك صندوقًا من خشب أو من ورق أو من علبة حلويات فارغة، ليمدك هذا الصندوق بالوقود لحظة الانطلاق، وإليك الحكاية، يحكى أن كريم كان لديه صندوق خشبي يجمع فيه مدخراته ليتزوج ويبني له بيت العمر، بالفعل تزوج وبنى له بيتًا وأنجب أربعة أبناء، غير أنه خسر بيته في أحد المشاريع حين أراد التوسعة على عائلته، مما اضطره للعيش مع والديه، وهكذا بدأ من الصفر، استمر في فكرة الادخار حتى تمكن من شراء شركة دفع نصف قيمتها من صندوقه الخشبي وربع القيمة تسلم لاحقًا بالأقساط، والربع الرابع أسقطه عنه التاجر في مفاصلة موفقة، وهكذا حقق كريم الثراء الذي ينشده. قد تقع في محيطات الأزمات يومًا أو تغرق في زوابع العقبات، مع ذلك سترى في الأفق نورسًا يلوح لك بوجود جزيرة نجاة، فلا تبتئس فما خلف العتمة إلا فلق صبح!

يروى أن ابن الملك رمى سهمًا في مسابقة فطاشت رميته بعيدًا عن الهدف، مما جعله في موقف حرج أمام الجمهور، لم يحتمل ابن الملك هذا الفشل، وهرب الى الغابة ليتوارى عما حققه من فشل مريع!، وبينما هو في عزلته إذ رأى طائرًا صغيرًا يحاول الطيران، دون أن يستطيع، أمسك ابن الملك بالعصفور الصغير؛ ليساعده لكن الطير سعى للطيران بمفرده، غط ابن الملك في النوم ليستيقظ على جلبة طيران العصفور الصغير، هنا تعلم درسًا مهمًا أنّ الفشل لا يعني الهزيمة، لهذا رجع لأبيه وأخذ يتمرس على رمي السهام، حتى أثلج صدر والده برميات محكمة. 

الحكمة تقول حتى إذا تحطمت بك سفينة الآمال، وأصبحت في وسط بحر اليأس، هناك يد ما ستساعدك وتمد  إليك أناملها من وراء حجاب، هناك لوح خشب يطفو على السطح، هناك طوق نجاة!

هل شاهدت برنامج المسابقات البريطاني الشهير the crystal maze ؟، كنا نستمتع بمشاهدته أيام الطفولة، فكرته الحصول على الجوهرة في دقيقتين أو الخروج قبل إغلاق الباب، هذه المسابقة كنائية لما عليها الحياة، فأعمارنا أوقات، والحياة تخبأ لنا الجواهر، وأمامنا التحديات، فهل سنفوز في اللعبة ونخطف الجواهر؟ أم نخفق ونتعثر؟، فإذا كنت رياضيًا لماذا لا تنضم لتحدي المشي؟، وإذا كنت كاتبًا لماذا لا تنضم لجائزة الكتّاب؟، التحديات معروضة للجميع، ليس لك وحدك، بل لأبنائك أيضًا، فلماذا لا تغرس التحدي في قلوب أبنائك؟، فقد يتألق أحدهم، كما تألقت الطفلة السورية شام بكور في تحدي القراءة العربي، قد لا يتطلب منك الأمر سوى تعليق ورقة مكتوب عليها: "أنا أحب القراءة"، إن قبول التحديات يجعل الحياة ممتعة، فلماذا لا تفتح صندوق اللعبة وتجرب أحجار النرد؟، فقد تكسب الرهان. 

الثلاثاء، 1 أكتوبر 2024

اتخذ لك جناحَ قراءة






أتذكر من أيام طفولتي، مشهدًا لمسلسل كرتوني لا يزال يعلق بالذاكرة، وهو أنّ رجلًا كان يعدو للحاق بالسفيّة، وبعد جهد مضني تمكن الأخير، من الصعود فيها، وألقى بجسده من فرط الإعياء، صفق له عقلي حينها، واعقبت ببراءة الأطفال: "لولا محاولاته الجادة لما تمكن من الصعود". تلك السفينة تذكرني بسفينة أخرى هي سفينة القراءة، هناك من ركبها، وهناك من تركها، وهناك من يعدو ويكافح ليبلغها، فأي الثلاثة أنت؟!، في كل عام تولد كتب جديدة، والناس حيال هذه الكتب على أنواع، البعض ينظر للكتاب الجديد، كذبابة مرت من أنفه، وآخر  يرى أنّه وقع على كنز من الكنز، فأيّ الأفراد أنت؟!. وهل برأيك فعلًا يمثل الكتاب الجيد صندوق كنز؟




الكتاب غير المناسب كقاطع طريق، يلزمك تجنبه لكونه يحرمك من مواصلة الرحلة ويقطع عليك مطالعة الكتب أخرى. إذا كنت تتقاطع مع رأي العقاد، في أنّ (حياة واحدة لا تكفي)؟، فستكون لك القراءة حلًا. في دراسة احصائية تقارن متوسط قراءات الأفراد في كلًا من أمريكا وأوروبا والدول العربية، يحتل متوسط قراءة الفرد الأمريكي الصدارة بقراءة أكثر  من ٢٠٠ ساعة في السنة، وفي أوروبا أكثر من ١٥٠ ساعة في السنة، بينما متوسط القراءة لدى الفرد العربي لا يتعدى  ١٥ دقيقة في السنة!!، فماذا يعني هذا؟!




قطعًا هذا يعني أن القراءة لدى الفرد العربي تقع في الهامش، فهل بالفعل القراءة مهمة؟، أم هي مضيعة للوقت؟، لنقدم نمذجة في هذا السياق على هيئة (هل تعلم؟)، هل تعلم أنّ (بيل غيتس)، صاحب مايكروسوفت يقرأ سنويًا ٥٠ كتابًا، فكم هي حصيلتنا السنوية؟، وأي الكتب هي التي نقرأها؟




لنعود إلى الطفولة والتربية، هل نعلم أنّ الأفعال معدية؟، بمعنى أنّ الطفل يتأثر بما تقع عليه عينيه، فإذا كانت الأسرة تدمن عادة القراءة، أصبح هذا الطفل قارئًا، والعكس صحيح!!. يحكى أنّ شابًا اكتشف ذات مرة أنّ والده يحمل الجريدة بالمقلوب، فلما أبلغ والده، قال الأخير: اعلم يا بني أني لا أعرف القراءة، وأمسكت الجريدة كل تلك السنوات حتى تتعلم القراءة!!




والآن فلنخاطب الأمهات، هل أنتِ تقرأين لطفلك قبل أن ينام؟، تشير دراسة أكاديمية أنّ القراءة للطفل قبل نومه تبني له صلة عاطفية تجاه القراءة طيلة حياته، فلنتبنى شعار (كن قارئًا من المهد إلى اللحد)، وهناك دراسات أخرى تشير أنّ رحلة التطور اللغويّ للطفل تبدأ من كونه جنينًا في رحم أمه، وتحديدًا في الأسابيع العشرة الأخيرة. فهل سنرى في هذا الزمن أمهات يدمن عادة القراءة؟ 




القراءة مهمة للصغار والكبار، فهل يصح لمن بلغ مرتبة علمية كبيرة أن يقول للكتاب: هذا فراق بيني وبينك؟، إنّ عادة القراءة تلعب دورًا هامًا في قلب الموازين المعرفيّة، يقول خطيب روما (شيشرون): "بيت بلا كتب، جسد بلا روح"، فهل تواجد الكتاب مهم في بيوتنا؟، هذا الحديث يقودنا لضرورة تكوين (مكتبة منزليّة)، فهل لديك في منزلك مكتبة؟، قد يدهشك صاحب مكتبة منزلية ضخمة، أنّه لا يقرأ منها شيئًا، بمعنى أنّ المكتبة لديه تمثل دور تحفة وديكور فقط!!، وهذا أمر مؤسف يدعو للشفقة!، يقول شاعر مجيد يصف هذا الحال، بقوله: 


وعند الشيخ كتب من أبيه 


مسطرة ولكن ما قراها 


يعد سطورها سطرًا فسطرًا


ينعنع رأسه ويقول (آها)




وفي ذات المعنى، يخاطب الشيخ حافظ الحكمي ممالحًا تلامذته: 




ببيتِ الشيخ كتبٌ قد شراها


‏وجمّعها ولكن ما قراها




‏وقد رضي منها بسلوى


‏إذا فتح المكانَ بأن يراها




‏وينظر في قطائعها ويمضي


‏وهل تدري القطائع ما وراها




إن أغلب هذا الجيل يجيد القراءة، غير أنّ معظمه لا يقرأ، أو لنقول: نادرًا ما يقرأ، فقط  يقتصر على قراءة الكتب الدراسية وحسب!، وهذا أمر مؤلم بحق. من خلال عادة القراءة ستكتشف أنك لا تزال فقير معرفيًّا، وإذا أردت أن تعرف الفرق، اجلس مع شخص قارئ!!، القراءة غذاء الأرواح والعقول، والمكتبة هي ثلاجتها، فلماذا نفتح ثلاجة البطن كل يوم، ولا نفتح ثلاجة العقول؟!، والسؤال المُلّح: ماذا نقرأ؟، وأي الكتب نختار؟، باختصار: هناك كتاب ليست لك، دعه لغيرك، وابحث عما يضيف، تمسك بما يثريك ودع ما لا يثريك. أصرف بعض الوقت للبحث عن الكتاب الجيد، فإذا عثرت فعضّ عليه بالنواجذ. 




الخلاصّة هناك كتب تستحق الشراء، والقراءة، فعرف كيف تختار؟، ودقق في الهدف، ثم شدّ الوتر واطلق الرميّة. إن أقل ما تخرج به من مطالعة كتاب ثراء لغوي، وثروة لفظية تضاف لقاموسك الشخصي، في الختام ليس مهمًا أن تصور نفسك أمام كتب المكتبة، المهم أن تقرأ هذه الكتب التي تدير لها ظهرك!

الجمعة، 13 سبتمبر 2024

تحرك ولا تكن صفرًا




اليوم الذي يغادرك لا يعود، النباتات والحيوانات تنمو ثم تموت، وأنت -إذا أردت- لست ذرة صغيرة بين هذه الكواكب والمجرات. فكيف يكون لرقمك الصغير قيمة؟ وكيف يكون لمثقالك البسيط وزن؟ البعوضة رغم ضآلتها لها قوة في سرعتها وفي إبرتها وفي تخير مكان افتراسها، فإذا اختارت عين الأسد، فإنها ستحقق الانتصار! وأنت لست أقل منها، فكيف تخلق لنفسك الاعتبار؟

على كل واحد فينا أن يبحث عن مكمن قوته، فما هي الإبرة التي تستطيع القتال بها؟ القلم للكاتب، والسيف للمحارب، والمنشار للنجار.. ولكل صانع أداة، فما هي أداتك التي تبرع بها؟ إذا عرفتها فعض عليها بالنواجذ؛ فهي سلاحك ومكمن قوتك، فماذا تنتظر؟ عليك أن تفوز في معركة الحياة، عليك أن تنتصر.. الجولة بدأت فلا تغفل، فنومك وسكونك ووقف حركتك يعني ذلك الهزيمة.
يحكى أن رجلا يعرف بالكسل اسمه هانز، كان راعيا للأغنام، وفكر بالزواج من ابنة جاره لترعى له أغنامه، وينال بذلك قسطا من الراحة في الفراش، وبالفعل نجحت الخطة؛ تزوج هانز من إليزا التي كانت أكسل منه، كما وافق شن طبقة، كان طنجرة وكانت هي الغطاء، كما يقال!

ظل هانز في السرير، وزوجته ترعى الأغنام، حتى قالت له: ما رأيك أن نبيع الغنم ونشتري خلية نحل؟ صرخ هانز: يا لك من زوجة ذكية!، فالنحل لا يحتاج إلى من يرعاه. وأضافت: والعسل أكثر قيمة من الحليب، ثم إنه لا يفسد كالحليب!

ابتاعا خلية نحل من جارهما مقايضة بالماعز، ووضعا جرة تحت الخلية، ولزم كلاهما الفراش. ولتسهيل مهمة تناول العسل، استخدم هانز عصا رعيه، ليقرب بها الجرة وهو في سريره.

قالت إليزا: لماذا لا نشتري عنزة ونبتاع بحليبها بقرة؟ فرد عليها: لا أوافقك الرأي، فمن سيرعى البقرة؟ أطرقت ثم أجابته: ننجب ولدا يرعاها، فصرخ هانز: يا لك من زوجة عظيمة! لكن إليزا استدركت: ولكن ماذا لو كان ابنك عاقا ورفض الفكرة؟ هنا تناول هانز العصا، وقال: وما دور هذه العصا؟ حينها سأضربه بهذه هكذا.. ورفع العصا وضرب بها الجرة، فتحطمت وذهب كامل العسل، فما كان منهما إلا معاودة النوم ليتجنبا هول الصدمة!
أحيانا نتقمص بعض أدوار هانز وإليزا، فيمر علينا النهار دون أي فائدة تذكر، نوم في الفراش، وكسل دون قيمة، فلماذا لا نضع الخطط؟ لماذا لا نتابع المنجزات؟ البعض يقول من فرط كسله: لا داعي لوضع خطة، والبعض يقول: لا داعي لمتابعتها، فأنا أتابع المنجزات بعقلي!! نقول لهذا الكسول: احذر من عصا رعيك حتى لا تكسر الجرة!! احذر من كسلك حتى لا تحل بك الندامة.
قال أحدهم:

تزوجت البطالة بالتواني .. فأولدها غلاما مع غلامة

فأما الابن سموه بفقر .. وأما البنت سموها ندامة

ويقول محمد بن يحيى اليماني الصعدي، المعروف باسم "بهران":
الجد بالجد، والحرمان في الكسل .. فانصب تصب عن قريب غاية الأمل

ويقول آخر:

العلم نور فلا تهمل مجالسه .. واعمل جميلا يرى فالفضل في العمل

لا ترقد الليل ما في النوم فائدة .. لا تكسلن ترى الحرمان في الكسل

يضيع اليوم بدون منجزات، أو قد يثبط الكسول نفسه وبواعث همته، فيقول: "أنا لست نشيطا"، ليركن للراحة والدعة، وليتجرد من الأعباء، وهكذا يضيع العمر دون فائدة.
في هذا الصدد يقول الإمام علي أبياتا جميلة، فيها:

إذا هبت رياحك فاغتنمها .. فعقبى كل خافقة سكون

ولا تغفل عن الإحسان فيها .. فما تدري السكون متى يكون

وإن درت نياقك فاحتلبها .. فما تدري الفصيل لمن يكون

إذا ظفرت يداك فلا تقصر .. فإن الدهر عادته يخون
فبادر في شبابك وقوتك، بادر قبل العجز، المبادرة تبدأ الآن، فلا تسوف بالقول غدا، بيدك أنت فقط أن تكون رقما، فلا تختر الصفر، وإذا كان نصيبك المحتوم صفرا فلتكن في جهة اليمين.