الجمعة، 27 فبراير 2026

أساطير هدهد سليمان (١)

 

قلة هي الحيوانات والطيور التي تحدث عنها القرآن الكريم، وواحدة من تلك الطيور طائر الهدهد لسيدنا سليمان الذي تحدثت عنه سورة النمل، ومنشأ هذه السطور أني سمعت أحدهم يقول: إن هدهد سليمان لم يكن طائرًا، بل هو شخص اسمه الهدهد، فأذهلني هذا الحديث، وعزمت على التنقيب في قصة هذا الهدهد وعن الأساطير التي حيكت بخصوصه. وبلا ريب أن طائر الهدهد طائر عجيب وفريد، يبهر الناظر ويغري القارئ للاستماع عما نسج عنه من أساطير، فما هي أهم الأساطير التي تحدثت عن هدهد سليمان النبي؟ في البداية لم تصرح الآيات بأن الهدهد كان طيرًا، إلا أن السياق يشي بكونه مرتبطًا بالطيور، قال تعالى: "وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ"، فهل يعقل أن يكون الهدهد جنيًا أو جنديًا بشريًا؟ فالشيطان لم يكن من الملائكة لكنه عُدّ في خطاب السجود لآدم معهم لكونه مرتبطًا بهم في تلك الواقعة. من خلال المطالعات هناك من قال إن الهدهد كان جنيًا متحولًا في صورة هدهد، وكان مسؤولًا عن الاستخبارات، والخبر الذي نقله لسليمان عن عبادة مملكة سبأ هو من صميم تكاليفه ووظائفه، وهناك مسوغات لدى البعض أمام هذا الادعاء، منها أن الجن من جنود سليمان، قال تعالى: "وَ حُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ"، كما أن من خصائص الجن التحول والتشكل، فهل يكفي ذلك للإثبات؟

بعض كتب التفسير تنقل أن هذا الهدهد لديه مقدرة اكتشاف المياه الجوفية، وكأنه عالمٌ متبحرٌ يستطيع رصد هذه المواقع في عمق الصحراء، لهذا لم يكن سليمان في غنى عنه، ووجوده غاية في الأهمية؛ لذلك تفقده وسأل عنه لهذه الحاجة أو لحاجة أخرى، البعض استند إلى الآيات وأشار إلى أن الهدهد كان مؤمنًا موحدًا ولسانه ينطق عن علم بالعقيدة وكأنه عالم لاهوت ضليع متمرس، بعض الأخبار تشير إلى أنّ هدهد سليمان كان ملكًا على الطيور، وأصحاب هذا الرأي يستندون إلى وجود تاج الهدهد الذي فوق رأسه، ولا نرى أنه يكفي لإثبات هذا المدعى، وما يظهر أنها معلومة يهودية دُست ضمن جوقة الإسرائيليات وتحتاج لمزيد من الإثبات. خاصة تلك المعلومة التي تقول إنه امتلك تاجًا ذهبيًا يرمز لمكانته!

البعض تساءل: لماذا فرض سليمان على غياب هذا الهدهد عقابًا صارمًا؟ إذ قال: "لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ"، تكهن البعض أن سليمان ظن بالهدهد أنه خان العهد، وانتقل لخدمة ملوك آخرين، غير أنّ الآيات لا تصرح بالدواعي والأسباب، وبلاشك يلزم أن يكون هذا العقاب متوافقًا مع حجم الجناية المتوقعة. البعض طرح سؤالًا: لِمَ يصر سليمان على وجود الهدهد، رغم أنّ لديه جيوش الجن؟ بعض المفسرين أشاروا إلى أن للجن وظائف محددة كالبناء والغوص، أما وظيفة المخابرات فكانت تحتاج لخفة ودقة وسرعة وهذا ما يتوافق مع طبيعة الهدهد الذي أرسله بكتابه لبلقيس.


الخميس، 5 فبراير 2026

حينما يتساقط ريش الباشق

 



هل رأيت طيرًا يحلق في كبد السماء؟ الباشق أحد الطيور الجارحة التي ترمز للرفعة والعلياء، هو مثال صادق للنجاح الذي يسعى له كثيرون. في تحليقه منفردًا كأنما يشير لذلك الرجل النجم، الذي صعد قمّة النجاح!


صفات البواشق تعكس أضواءً على رحلة الناجحين؛ القوة والعزلة، السعي والتحقيق، الارتفاع والسقوط. فبماذا يمتاز الباشق؟ وما هي الإلهامات المستوحاة منه؟ وماذا يريد أن يقول لنا لو تكلم؟


رؤية تتجاوز الأفق

تمتاز البواشق بحدة البصر والتطلع النافذ، فهي ترى الطرائد من مسافات بعيدة، ولا تغيب عنها أدق التفاصيل. هكذا هم الناجحون في الحياة؛ يرون ما لا يراه الآخرون، يسيرون بخطى ثابتة نحو أهدافهم. غير أن الباشق يحلّق في السماء مفردًا وحيدًا، وهذا حال الناجحين؛ فإنهم رغم امتلاكهم نظرة ثاقبة ينعزلون عن المحيط، لا يرون ما خلف التل، وهو ما يجعلهم يرون العالم بمنظور مختلف، إذ لا يشاركهم في وحدتهم إلا الظل والإلهام.


قوة الاستقلال

الباشق صياد منفرد، لا يحلّق مع سرب، ولا يتقاسم الفرائس. يعتمد على نفسه لتحصيل طعامه، فتراه ينقض على فريسته بكل دقة وحسم، يمتلك روح الاستقلال وقوة السيطرة. هذا السلوك هو ما يتميز به الناجحون؛ فهم يعتمدون على الذات، ويواجهون التحديات منفردين. إلا أن هذا الاستقلال يفاقم مشكلة قفص العزلة؛ فهم يصعدون بالفعل ولكن دون أن يرافقهم أحد، يصلون للصدارة ويفوزون، غير أنهم يعيشون وحيدين، لا يشاركهم الفرح أحد. إنهم يفتقدون الدعم والمشاركة، وقد يفتقدون العفوية وبساطة العيش.


اغتنام الفرص

الناجحون يلتقطون الفرص فور بزوغها، لا يترددون ولا يتثاقلون، يفعلون ما يتسم به الباشق تمامًا؛ يحدد الهدف وينقض كالرِّمية في لمح البصر، لحظة واحدة، وإذا بالفريسة بين مخالبه بكل ثبات ورشاقة. غير أن هذا الاستعجال قد يحرمهم من فرائس أفضل لو تحلّوا ببعض الصبر والتريث.


العمل في صمت

كثيرًا ما يسبح الباشق في قلب السماء دون أن يراه أحد، يتجنب البروز، ويحلق في نقطة بعيدة عن الأضواء. يمتلك مهارة التخفي باقتدار، وفي لحظة قرار تنبثق المخالب وتنغرز في الفريسة دون أن يشعر به أحد. هكذا هم الناجحون؛ يعملون بصمت، ينجزون المهام دون صخب أو ضجيج، وفي ساعةٍ ما تظهر المفاجأة. غير أن البعض قد يُسيء الفهم، ويرى ذلك الابتعاد غرورًا وترفعًا، وما هو إلا مخاض.


التمسك بالأهداف

يتفوق مخلب الباز الأوراسي (الباشق) على مخلب الصقر بمراحل؛ فهو قوي، معدّ للتمزيق بإتقان، يمتلك فاعلية تامة في الاقتناص، ولديه قوة قبض فائقة. فهل سيترك فريسته بسهولة؟

الباشق لا يدع فريسته، حتى لو سقط معها. هكذا هم الناجحون؛ لا يتخلون عن أهدافهم حتى لو شكّلت لهم عبئًا، يتمسّكون وكأنّ الأمر حرب وجود، حتى لو تبيّن لبعضهم الخطأ أو الخروج عن إطار المصلحة.


التكيف مع الظروف

جناح الباشق قصير عريض، مصمم للمناورة في الأماكن الضيقة، ما يجعله متكيفًا مع البيئات المختلفة. كذلك الناجحون؛ يتأقلمون مع التغيرات ويواجهون التحديات بمرونة، غير أنّ هذا التكيف قد يبعدهم أحيانًا عن مسارهم الأصلي، وقد يفقدون هويتهم في التكيف الجديد.

ومن تكيّفه أيضًا تغيير مساراته بما يتوافق مع اتجاه الريح. والناجح لا يدخل معركة دون حساب المعطيات ودراسة الإمكانات، لكنه إن بالغ في التكيف قد يبتلع ملامحه، وينسى مشيته الأولى، ويتخطى حدود مبادئه التي كان معروفًا بها قبل النجاح.


الانغماس في الهدف

يمتلك الباشق عيونًا حادة؛ إذا نظر اخترق الأغوار وكشف الأسرار، لا يشتت انتباهه، يركّز على طريدته حتى ينالها. تراه بحق أعمى عمّا سواها حتى يظفر بها. كذلك الناجحون؛ يكرسون أوقاتهم وجهدهم لتحقيق أهدافهم، ما يضيّع عليهم جوانب أخرى من حياتهم كالراحة والعلاقات. فلكل نجاح ضريبة، يدفعها من حياته وحياة المحيطين به، وقد يغريه مجده الجديد فينسى تاريخه.


الصبر والإصرار

لا يستسلم الباشق بسهولة، فالتوقف عنده تراجع. وهذا ديدن الناجحين؛ لا ييأسون رغم العقبات. غير أن هذا الإصرار قد يولد ضغوطًا نفسية، وقد يدركون متأخرين أنهم خسروا من كان معهم في الطريق، فمن يروم القمة لا ينظر لمن هم في السفح.


الإنجاز دون ضوضاء

يمتاز الباشق بالطيران الصامت، ينجز مهامه دون أن يلفت الانتباه. هكذا أولئك الذين يحققون إنجازاتهم دون تباهٍ أو استعراض.

قد لا يُقدَّر صمتهم، لكن المنجز يظل منجزًا، وإن لم يحظَ بالتصفيق المستحق.


حماية المنجزات

في موسم التكاثر، يحمي الباشق منطقته بحذر. كذلك الناجحون؛ يحافظون على ما حققوه، غير أن الانشغال بحماية الماضي قد يؤخر ولادة الجديد.


التجدد والتطور

يفقد الباشق بعض ريشه، لكن ريشًا أقوى يحل محله. هكذا التجدد في حياة الناجحين؛ قد يكون مؤلمًا، لكنه بداية القفزة القادمة. ليس كل فقدٍ خسارة، بل قد يكون بشارة. الباشق يعلّمنا أن النجاح ليس مجرد صعود، بل توازن بين القوة والضعف، بين الاستقلال والمشاركة، بين الإنجاز والراحة.


في الختام:

حينما يتساقط ريش الباشق يواجه تحديًا، وقد يتوارى، لا ضعفًا بل استعدادًا. فالمواسم تتبدل لتنضج أصحابها، وهكذا هم الناجحون؛ إن تعثروا عادوا، وإذا عادوا أدهشوا العيون.


عبدالعزيز آل زايد